بقلم: أ.د. سامي العريان
أصوات/ يناير 2026
Title in English
Venezuela, Gaza, and the Return of Empire
Voices/ January 2026
لا يُعدّ اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، عقب هجمات ليلية استهدفت كاراكاس والممر الساحلي، مجرد تصعيد في نزاع طويل. بل هو إعلان المتغطرس، يجري فرضه بالقوة، مفاده أن مفهوم السيادة في نصف الكرة الغربي سرابٌ لأنه خاضعٌ للتدخل الأميركي، وأن القانون الدولي ليس التزامًا مُلزِمًا للإمبراطورية أو للقوى العظمى، بل أداة تُستخدم ضد الخصوم والدول الضعيفة.
صوّرت الولايات المتحدة العملية على أنها «إنفاذ للقانون»، ولكنها في الواقع غارة عسكرية، وهو ما أكدته كلمات البيت الأبيض نفسه. فقد وصف دونالد ترامب العملية بأنها «ناجحة للغاية»، وقال إن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة البلاد» إلى حين إنجاز «انتقال آمن وسليم ورشيد». كما حذّر القادة الفنزويليين من أن «ما حدث لمادورو يمكن أن يحدث لهم»، مضيفًا أنه لا يخشى وضع «قوات على الأرض».
ولعل الأشد دلالة على الهدف الحقيقي من هذه العملية هو قيام ترامب بربطها مباشرة بالنفط، حيث وعد بأن تدخل الشركات الأميركية إلى فنزويلا «لإصلاح البنية التحتية المتداعية بشدة» و«البدء في جني الأرباح»، زاعمًا بوقاحة أن فنزويلا «سرقت» نفطًا «بنتْه» الولايات المتحدة بـ «الموهبة والعمل والمهارة الأميركية»، واصفًا ذلك بأنه «واحدة من أكبر سرقات الممتلكات الأميركية» في تاريخ الولايات المتحدة. هذه اللغة، المستقاة مباشرة من توصيف ترامب نفسه للعملية، تنتمي إلى معجمٍ متعجرفٍ للغزو والهيمنة، لا إلى لغة الشرعية والعدالة.
الإمبراطورية وعقيدة مونرو بوصفها نظام تشغيل للسيطرة:
لفهم أفعال ترامب في فنزويلا، لا بد من وضعها ضمن نمطٍ أوسع من استيعاب العقلية الإمبريالية. فقد أُعلنت عقيدة مونرو عام 1823 على يد خامس رئيس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، بهدف ترسيخ نصف الكرة الغربي ليكون مجالًا للنفوذ الأميركي. ولقد قُدّمت في بدايتها كتحذير للقوى الأوروبية بإنهاء وجودها العسكري في المنطقة، بما يخدم تثبيت الهيمنة الأميركية. ومع مرور الوقت، تطورت إلى عقيدة إستراتيجية على مستوى نصف الكرة الغربي حيث تقرر فيها الولايات المتحدة أي الحكومات تُعدها «شرعية»، وأيها تُوصم بأنها «خطِرة» تُعرَّضها للعقوبات أو للإطاحة، وأي الموارد تُعد «استراتيجية» وبالتالي يمكن الاستحواذ عليها بأي وسيلة.
قائمة الدول المستهدفة مألوفة لأن النمط واحد. إيران (1953)، غواتيمالا (1954)، البرازيل (1964)، تشيلي (1973)، غرينادا (1983)، نيكاراغوا خلال حقبة «الكونترا» (في ثمانينيات القرن الماضي)، هايتي (1994)، وحتى فنزويلا نفسها في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2002 ضد رئيسها آنذاك هوغو تشافيز، ليست أحداثًا معزولة. فكلها أحداث تتبع منطق واحد: عندما تعرقل حكومة أو بلد ما الهيمنة الأميركية أو أولوياتها الاستراتيجية والاقتصادية، تصبح زعزعة استقرارها سياسة معتمدة، وتتحول شعارات مثل «الديمقراطية» و«مناهضة الشيوعية» و«مكافحة الإرهاب» أو «الحرب على المخدرات» إلى أدوات لتبرير الضغط أو العقوبات أو التغيير بالإكراه والإطاحة.
الجديد هذه المرة ليس النية، بل الوقاحة. فقد اعتمدت التدخلات السابقة على الإنكار، والوكلاء، والتمويل السري، و«المستشارين». أما الآن، فقد تبنّى الرئيس الأميركي علنًا منطق السيطرة والهيمنة، مفترضًا أن العالم سيُرهب ويُصدم أمام الاستعراض العلني للقوة الأميركية الغاشمة.
النفط، العقوبات، واقتصاديات تغيير الأنظمة:
تقع فنزويلا فوق أكثر من 300 مليار برميل من النفط، مما يجعلها صاحبة أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم. لم يكن هذا الواقع يومًا محايدًا أخلاقيًا في نظامٍ إمبراطوري يعامل الطاقة بوصفها قوة. غير أن الأمر لا يقتصر على النفط. فالحزام التعديني الجنوبي لفنزويلا، ولا سيما في منطقة أورينوكو، غني باستخراج الذهب والمعادن النفيسة الأخرى. ومع امتلاك البلاد لأكثر من 8 آلاف طن من موارد الذهب، فإنها تُعد من بين الدول ذات أكبر الاحتياطيات الذهبية عالميًا. وتكمن أهمية ذلك في أن التدخلات التي تُسوّق تحت عناوين «مكافحة المخدرات» أو «مكافحة الفساد» غالبًا ما تُخفي هدفًا آخر، يتمثل هنا في منح ترامب ورؤساء الشركات متعددة الجنسيات سلطة تقرير من يسيطر على الامتيازات، ومن يتحكم بمسارات التجارة، ومن يستخرج ويستغل ما تحت الأرض.
كما تمتلك فنزويلا مليارات الأطنان من خام الحديد، إلى جانب كميات هائلة من العناصر الأرضية النادرة والنيكل والنحاس والفوسفات. وتُعد هذه الموارد مدخلات أساسية للتكنولوجيا الحديثة وللإنتاج الصناعي، بما في ذلك صناعة الصلب الضرورية لتصنيع العتاد العسكري. وفي المنافسة الجيوسياسية، غالبًا ما يحدد التحكم بموارد الصناعات الثقيلة ميزان القوى بين الدول الكبرى.
في الأسابيع والأشهر التي سبقت الهجوم، شددت الولايات المتحدة الخناق بطرق تكشف عن أهدافها الاستراتيجية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، فرضت حصارًا بحريًا عطّل حركة ناقلات النفط، وصادرت شحنات نفطية، وخفّضت صادرات النفط إلى النصف، من نحو 900 ألف برميل يوميًا في تشرين الثاني/نوفمبر. وفي الشهر نفسه، عطّل هجوم سيبراني عمل شركة النفط الوطنية الفنزويلية «بيديفيسا»، مما اضطرها إلى اعتماد تشغيلها بطرق يدوية بدائية. ما أظهرته واشنطن لم يكن مجرد أن العقوبات تُلحق ضررًا، بل أن العقوبات والحصارات والمصادرات وسرديات «إنفاذ القانون» تُستخدم كتمهيد خشن لتغيير النظام.
في هذا السياق، دخلت الصين على الخط مع تحول صادرات النفط الفنزويلي بشكل متزايد نحو الأسواق الآسيوية خارج سيطرة واشنطن. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، استحوذت الصين على نحو 80 في المئة من صادرات فنزويلا النفطية، أي قرابة 746 ألف برميل يوميًا، فيما ارتفعت الشحنات إلى الولايات المتحدة عبر قنوات مرتبطة بشركة «شيفرون» إلى نحو 150 ألف برميل يوميًا. وبعبارة أخرى، لم يعد نفط فنزويلا «تحت مادورو» فحسب، بل بات موجّهًا بشكل متزايد نحو آسيا، وهو تحول تعاملت معه واشنطن، في عصر التنافس الاستراتيجي، كجريمة جيوسياسية.
وما سعت واشنطن إلى عكسه ليس فقط وجهة تدفق النفط الفنزويلي، بل كيف استُخدمت هذه الموارد للبناء الداخلي. فلا يمكن فهم المسار السياسي الذي حاولت الولايات المتحدة قلبه منذ أواخر التسعينيات دون الإشارة إلى الثورة البوليفارية والتحولات الاجتماعية التي أفرزتها. فبعد انتخاب هوغو تشافيز عام 1998، أعادت فنزويلا توجيه عائدات النفط نحو برامج اجتماعية واسعة النطاق لمعالجة عقود من التفاوت الحاد في الدخل بين المواطنين. فبين عامي 2003 و2012، انخفضت معدلات الفقر إلى أكثر من النصف، وتراجع الفقر المدقع بشكل كبير. كما توسعت فرص الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والسكن ودعم الغذاء، لا سيما في المجتمعات المهمشة تاريخيًا. وحصل ملايين الفنزويليين على رعاية صحية أولية مجانية عبر برنامج «باريو أدينترو»، وانخفضت معدلات الأمية إلى ما يقارب الصفر وفق معايير اليونسكو، وتضاعف الالتحاق بالجامعات العامة. كل هذه الإنجازات موّلت أساسًا عبر سيطرة الدولة على قطاع النفط وإعادة توزيع الموارد العامة بشكل مدروس.
هذا النموذج بالذات هو ما سعت السياسة الأميركية إلى تفكيكه. فمنذ منتصف العقد الأول من هذه الألفية، ومع تصاعد عقوبات الإجراءات المالية المستهدِفة لقطاعات عديدة، خصوصا بعد عام 2015، فرضت عقوبات شاملة على النفط والمصارف والتجارة، وقيّدت التدابير القسرية الأميركية بشدة قدرة فنزويلا على استيراد الغذاء والدواء وقطع الغيار ومعدات التكرير، وحرمتها من الوصول إلى أسواق الائتمان الدولية، حتى أن هيئة رقابية حكومية أميركية، هي مكتب المحاسبة الحكومي، أقرت بأن العقوبات النفطية، ولا سيما تلك التي استهدفت «بيديفيسا»، سارعت في الانكماش الاقتصادي عبر قطع شريان الإيرادات الأساسي للدولة. لم يكن التدهور الإنساني الذي تلا ذلك سببًا للعقوبات، بل نتيجتها: انقلابًا متعمدًا على المكاسب الاجتماعية من خلال خنق اقتصادي مفروض خارجيًا، لا يهدف إلى إصلاح الحكم، بل إلى دفع النظام نحو الانهيار بجعل بقائه غير قابل للحياة اقتصاديًا.
انهيار ذرائع الشرعية:
بعد نجاح عملية الاختطاف، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي كان يدفع باستمرار باتجاه تغيير النظام في فنزويلا منذ أشهر، الهجوم بأنه «عملية إنفاذ قانون». ثم زعم ترامب أن روبيو تحدث مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، وأنها ستدعم الجهود الأميركية، على حد ادعائه المفاجئ.
أما في الجانب الفنزويلي، فجاء الرد الرسمي الأول بمطلب بسيط يكشف طبيعة الفعل غير القانوني. فقد أكدت رودريغيز أن مكان وجود مادورو غير معروف، وطالبت الولايات المتحدة بتقديم دليل على أنه ما زال على قيد الحياة. ثم أعلنت حالة الطوارئ، وأصدرت بيانًا حدّدت فيه الهدف الاستراتيجي للهجوم الأميركي غير القانوني وهو «الاستيلاء على الموارد الاستراتيجية لفنزويلا، ولا سيما النفط والمعادن»، و«كسر الاستقلال السياسي للأمة بالقوة».
على الصعيدين الإقليمي والدولي، أدانت دول عديدة العملية الأميركية، من بينها المكسيك والبرازيل وكولومبيا في نصف الكرة الغربي. ولقد حذّر الرئيس البرازيلي في منشور على منصة «إكس» من أن «مهاجمة دول أخرى، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، هي الخطوة الأولى نحو عالم من العنف والفوضى وعدم الاستقرار، حيث يسود قانون الأقوى على حساب التعددية». كما دعا المجتمع الدولي إلى «الرد بقوة» على الأفعال الأميركية عبر الأمم المتحدة. أما الصين، التي كان مبعوثها الخاص لأميركا اللاتينية موجودًا في كاراكاس لعقد اجتماعات مع مادورو، فقالت إنها «مصدومة بعمق وتدين بشدة الولايات المتحدة لاستخدامها القوة بتهور ضد دولة ذات سيادة واستهداف رئيسها».
لهذا، فإن إصرار الولايات المتحدة على وصف الاختطاف بأنه مجرد «إنفاذ للقانون» ليس غير مقنع فحسب، بل كاشف سياسيًا. فاتهام أميركي لمادورو، كُشف عنه بعد الغارة العسكرية، ليس دليلًا على جريمة، بل ختم يُوضع بأثر رجعي لتطبيع ما قامت به الإمبراطورية الأميركية.
وفي مفارقة لافتة، بينما ادعى ترامب أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا، أصدرت وزارة خارجيته تحذيرًا بأنها لا تستطيع مساعدة المواطنين الأميركيين الذين قد يكونون عالقين في البلاد.
غزة، أوكرانيا، والشرعية الانتقائية كعقيدة:
لا يمكن فهم فنزويلا بمعزل عن غزة، التي باتت اختبارًا عالميًا لمدى الالتزام بالقانون في السياسة الدولية. فبينما قدّمت واشنطن إجراءاتها ضد كاراكاس بوصفها «إنفاذًا للقانون»، أمضت العامين الماضيين في توفير الغطاء السياسي للكيان الصهيوني، وتسليحه عسكريًا، وتقويض أي مسعى للمساءلة عن جرائمه العديدة.
ففي قضية جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في كانون الثاني/يناير 2024، وأُعيد تأكيدها في آذار/مارس وأيار/مايو من العام نفسه. ومع ذلك، ظل الوضع الإنساني في غزة، كما وثقته مرارًا هيئات الأمم المتحدة، كارثيًا، مع استمرار القتل والنزوح الجماعي حتى خلال ما سُمي باتفاقات وقف إطلاق النار. وعلى صعيد المساءلة الجنائية، صدر وأُعيد تأكيد أمر اعتقال بحق بنيامين نتنياهو في ملفات مقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: فمادورو يُختطف دون محاكمة وتوضع بلاده تحت إدارة «انتقالية» أجنبية، بينما يُعامل نتنياهو كشريك استراتيجي. إن نظامًا يدّعي الشرعية العالمية يقوّض نفسه عبر منظومة استثناءاته الخاصة. ففي أوكرانيا، يصر الغرب على أن الحدود مصونة وأن العدوان جريمة. أما في غزة وفنزويلا، فيُبرَّر العكس. فبالنسبة لهم إنها القوة، لا المبدأ، التي تحدد متى تكون السيادة ذات شأن.
لماذا لا يمكن أن يحدث ذلك مع كوريا الشمالية، وما يعنيه الأمر لإيران:
الدرس المركزي الذي تقدمه فنزويلا للعالم قاتم، لكنه واضح. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل بكوريا الشمالية ما فعلته بفنزويلا، لأن بيونغ يانغ تمتلك ردعًا نوويًا موثقًا. بينما فنزويلا لا تمتلك ذلك. ويؤكد سجل ترامب نفسه هذا المنطق؛ فمع كوريا الشمالية، اضطرت واشنطن إلى إدارة الردع والدخول في مفاوضات، لأن كلفة أي سيناريو للهجوم أو الاحتلال ستكون تصعيدية إلى حد التهديد الوجودي.
وهكذا، تصبح فنزويلا دراسة حالة تعزز الحجة، في أنحاء الجنوب العالمي، بأن القدرة النووية تعمل كضمانة لبقاء الأنظمة. وهذا ليس تبريرًا أخلاقيًا للانتشار النووي، بل قراءة تجريبية لسلوك إمبراطوري يستند إلى منطق الجيوسياسي الواقعي.
وينطبق منطق الردع هذا بدرجة أقوى على إيران، وهو ما يفسر لماذا يُرجح أن تفشل عملية على غرار فنزويلا هناك، بينما لا يزال البعض في واشنطن وتل أبيب يتخيلها. فأي هجوم مماثل على إيران سيخفق على الأرجح بسبب قيود بنيوية لا تستطيع الولايات المتحدة التعامل معها من خلال القوة.
لقد أظهرت إيران قدرتها على الرد خلال حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو الماضي. فبترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنشآت محصنة، وقدرة على ضرب القواعد الإقليمية والبنى التحتية الحيوية، تستطيع إيران إلحاق أضرار جسيمة بخصومها. كذلك لن يظل أي تصعيد محصورًا محليًا. فمضيق هرمز شريان حيوي للاقتصاد العالمي. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، شكّلت تدفقات النفط عبر المضيق في عامي 2024 و2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا ونحو خمس الاستهلاك العالمي للنفط ومشتقاته. ومع عدد سكان يبلغ 92 مليون نسمة ومساحة تصل إلى 1.7 مليون كيلومتر مربع، فإن إيران ليست قابلة للإدارة ديموغرافيًا أو جغرافيًا كمشروع احتلال. وقد أظهرت التجربتان الأميركيتان في العراق وأفغانستان أن القوة الساحقة قد تُسقط دولة، لكنها لا تستطيع حكم مجتمع يرفض المحتل. ولقد أمضت إيران عقدين في دراسة تلك الإخفاقات وتطوير أدوات رد غير متماثلة، بما في ذلك استغلال العمق الإقليمي.
المقاومة وحدود القوة في فنزويلا:
حذّرت حكومة مادورو منذ وقت طويل من استخدام عمليات استخباراتية سرية لتقويض سيادة فنزويلا، متهمة الولايات المتحدة بنشر وكالة الاستخبارات المركزية داخل البلاد تحت غطاء مكافحة المخدرات والهجرة، وذلك قبل وقت طويل من غارة كانون الثاني/يناير .2026
وما تلا اختطاف مادورو يوضح لماذا يُرجح أن تفشل العملية في تحقيق النتائج السياسية التي تتوقعها واشنطن. فلم تنقسم الأجهزة الدفاعية والأمنية الفنزويلية. كما رفض وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز علنًا وجود قوات أجنبية داخل البلاد، وأعلن أن القوات المسلحة ستقاوم أي محاولة للسيطرة الخارجية، واصفًا العملية بأنها عدوان لا عملية انتقالية سياسية. كما نددت نائبة الرئيس رودريغيز بالغارة ودعت إلى الوحدة الوطنية دفاعًا عن السيادة، في حين أكدت المحكمة العليا استمرارية العمل بالسلطة الدستورية.
كما دعت رودريغيز كذلك القوات المسلحة، وقوات الاحتياط المدنية التابعة للميليشيا البوليفارية، والمنظمات الشعبية، إلى التعبئة دفاعًا عن السيادة الوطنية. وقالت في اتصال هاتفي مع قناة «في تي في» الفنزويلية: «يجب على الشعب أن يتحرك دفاعًا عن موارده الطبيعية، وعن حقه في الاستقلال والسلام والتنمية والمستقبل؛ وطن حر، بلا أي وصاية خارجية، فلن نكون عبيدًا مرة أخرى».
وتبرز هذه الردود درسًا طالما شددت عليه القيادة البوليفارية: فعمليات تغيير الأنظمة تعتمد أقل على القبول الشعبي، وأكثر على الاختراق الاستخباري والانشقاقات والخيانة الداخلية. ومن ثم، فإن عملية كانون الثاني/يناير 2026 ستؤدي على الأرجح إلى تكثيف الجهود داخل فنزويلا لتفكيك الشبكات الاستخباراتية الأجنبية ومنع المزيد من الاختراق، وهو استنتاج يتشكل في ضوء تجارب سابقة، بما في ذلك محاولة انقلاب 2002 الفاشلة ضد هوغو تشافيز.
أما على المستوى المجتمعي، تعكس التعبئة العامة المؤيدة للحكومة، بما في ذلك دعوات قوات الاحتياط والهياكل الدفاعية الشعبية لمواجهة التدخل الخارجي، نمطًا أساءت واشنطن قراءته مرارًا في العراق وأفغانستان. فإزاحة قائد لا تطفئ المقاومة حين يُفهم التدخل على نطاق واسع بوصفه هيمنة أجنبية مرتبطة بالاستيلاء على الموارد الوطنية. وهكذا تواجه فنزويلا الولايات المتحدة بمعضلة مألوفة: قد تُضعَف الدولة بالعقوبات، لكن المجتمع يتماسك سياسيًا تحت الحصار، فيما يؤدي الإكراه من الخارج إلى ترسيخ المعارضة في الداخل.
لقد كشفت غزة خواء ادعاءات الكونية الغربية والليبرالية والعولمة. وتنقل فنزويلا هذا الدرس إلى نصف الكرة الغربي بوضوح يصعب حتى على الحلفاء تجاهله. فعندما يُطبَّق القانون فقط على الخصوم، كما تُظهر غزة وفنزويلا اليوم، يكفّ عن أن يكون قانونًا ويغدو أداة للسلطة والهيمنة. وحين يُربط العدوان صراحة بالنفط، تتوقف الإمبراطورية عن التظاهر بأنها شيء آخر.
قبل أكثر من ألفي عام، قدّم الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس تحذيرًا بسيطًا للحكام: «تأمل الماضي، بإمبراطورياته التي قامت وسقطت، وستستشرف المستقبل أيضًا». ولكن لم يُتَّهم ترامب يومًا بالإصغاء إلى حكمةٍ كهذه.
* هذه المقالة نُشرت لأول مرّة بموقع شبكة الجزيرة يوم 7 يناير 2026
البروفيسور سامي العريان مفكر وأكاديمي فلسطيني، وهو مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)وأستاذ الشؤون العامة بجامعة إسطنبول صباح الدّين زعيم-تركيا. تحصّل على شهادة الدكتوراه سنة 1986، وكان أكاديميًا بارزًا بالولايات المتحدة طيلة عقدين من الزمن متحصّلاً على أفضل جوائز التدريس بجامعة جنوب فلوريدا، إضافةً إلى منحٍ عديدة، كما يملك في رصيده أكثر من أربعين عملاً منشورا.
خلال عقودٍ أربعةٍ قضاها بالولايات المتحدة ما بين 1975-2015، أسّس الدكتور العريان عددًا من المؤسّسات، نشر العديد من الأعمال في مجالات التعليم، البحث، الدّين والمعتقدات، كما نشر أيضًا بمجال الحقوق المدنية وحقوق الإنسان. كان متحدّثًا غزيرًا حيث ألقى محاضراته عبر العديد من الكلّيات الأمريكية، تمحورت بالأخصّ حول الشأن الفلسطيني، وشؤون الإسلام والغرب، والحقوق المدنية.
في سنة 2012، صنّفه مؤرّخون بموسوعة “منشقّون أمريكيون” باعتباره أحد ثلاثة مسلمين فقط في الولايات المتحدة من بين قائمة ضمّت 152 معارضًا وسجين رأيٍ تمّ إدراجهم في هذه السلسلة في القرن الماضي (إلى جانب مالكوم إكس ومحمد علي). ظهرت قصتّه الأمريكية سنة 2007 إثر فيلم وثائقي حاز على جائزة، حمل عنوان «الولايات المتحدة في مواجهة العريان»، ثمّ ظهرت في سنة 2016 بكتابٍ حمل عنوان «أن تكون فلسطينيًا».
كتب الدكتور العريان العديد من الدراسات وعشرات المقالات مُركّزا على السياسة الخارجية الأمريكية، فلسطين، وظواهر الربيع العربي. نُشر له سنة 2004 كتابٌ شعريٌ عن الروحانيات، فلسطين وحقوق الإنسان حمل عنوان «التآمر على يوسف»، كما ألفّ كتابا بعنوان «إزاحة الستار عن الصحوة العربية: فهم التحوّلات والثورات في الشرق الأوسط»، صدر تحت اسم مستعارٍ عن منشورات صندوق التعليم الأمريكي-واشنطن العاصمة سنة 2013. في سنة 2019، نشر الدكتور العريان كتابًا جديدًا صدر عن منشورات جامعة إسطنبول زعيم، حمل عنوان «الولايات المتحدة وإسرائيل: من التمكين إلى الشريك الإستراتيجي».
