بقلم: أليكس هاستيه

ترجمة وتلخيص: جلال خَشِّيبْ

ترجمات/ أكتوبر 2023`

محتويات المقال:

  1. الفيلم ما بعد الكولونيالي والنظرية
  2. جماهير الجيوبولتيك الشعبية والنزعة مابعد الكولونيالية
  3. من حرب الاستقلال الجزائرية إلى الحرب على الإرهاب
  4. إضفاءُ الصفّة التاريخية على الربيع العربي وقضية إسرائيل-فلسطين

 

الكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك ما بعد الكولونيالية، الجيوبولتيك النقدية، الجيوبولتيك الشعبية، الجغرافيات المُتَخَيِّلَة، أفلام الحرب المغاربية-الفرنسية، الأحداث الجيوبولتيكية المعاصرة

 

تندرج هذه الدراسة في إطر ما يُسمّى بالجيوبولتيك الشعبية (وبالتحديد جيوبولتيك الأفلام والمسلسلات التلفزيونية) وهو مجالٌ فرعيٌ تطوّر ضمن حقل الجيبولتيك النقدية. يتخّذ المقال من بعض الأفلامٍ المغاربية-الفرنسية، وبالأخصّ الجزائرية-الفرنسية، نماذجًا للدراسة، منها: “معركة الجزائر” (1966)، “أيّام المجد” (2006)، “خارج القانون” (2010)، “رجالٌ أحرار” (2011). (The Battle of Algiers, Day of Glory/ French: Indigenes, Outside of the Law/ French: Hors la Loi, Free Men/ French: Les Hommes Libres) وكلّها أفلام تعيد رواية تاريخ المقاومة الجزائرية ومناهضة الكولونيالية في الحرب العالمية وفي حرب إستقلال الجزائر.

وجدت الورقة بأنّ سردياتٍ زمانية ومكانية مُحدّدة لفرنسا والجزائر ما بعد حقبة الاستعمار تمّ تحويلها وقراءتها جيوبولتيكيًا كأيقوناتٍ رمزيةٍ لأكثر الصراعات المألوفة حاليًا، وهي الحرب على “الإرهاب” و”الربيع العربي” و”النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني”، وذلك استنادًا إلى ما يوفّره حقليْ النظرية ما بعد الكولونيالية والجيوبولتيك الشعبية من مفاهيمٍ ونظرياتٍ وتبصّرات. تُوسّع هذه الدراسة نطاق الجيوبولتيك الشعبية لتنظر إلى الفيلم ما بعد الكولونيالي وكيفيّة تلّقيها له كمجالٍ للتنافس الجيوبولتيكي. أثناء القيام بذلك، سلّطت الدراسة الضوء على الكيفية التّي صار عبرها استقبال القصص المابعد كولونيالية “ذات اللغة الأجنبية” في المجال الإنجلوفوني تتوسّط من خلال تأطير الجيوبولتيك الشعبية للمرجعية، وكيف صارت تعتمد على سياق الاستقبال والتلّقي لها، وعلى علاقات القوة ما بعد الكولونيالية.

لقد أثار فيلم “معركة الجزائر” (1966) اهتمام البنتاغون الأمريكي وقلقه، خوفًا من أن يصير مصدرًا مُلهمًا للتمرّدات اليسارية ضدّ المصالح الأمريكية في المناطق التّي تتواجد فيها، فقد رأوا فيه ملحمةً ماركسيةً مُلهمةً مناهضةً للكولونيالية قد تُلهم قصّتها التمرّدات التكتيكية وحروب المدن. وبسبب تقنية الـ DVD صار الفيلم الأكثر تفجيرًا خلال عقد الستينيات هو أكثر الأفلام أهميّةً لسنة 2004 كما قال الباحث هاريسون آنذاك. لا تُلاحظ مرونة الفيلم في الطرق التّي أُبلغت بها الأهداف السياسية وأهداف حركات المقاومة في حروب العصابات التّي خاضتها الحكومة الأمريكية في بغداد و”الحرب على الإرهاب” فحسب، بل في منظماتٍ (يساريةٍ أو عنيفةٍ أو إرهابية) كمنظمة حزب الفهد الأسود، ومنظمة الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA. كان لفيلم “معركة الجزائر” أهميةً بالنسبة لجماعات المعارضة من أجل ممارسة تمرّدات “إرهابية” بدلاً من المقاومة، فقد كانت منظمة الفهد الأسود تطلب من عناصرها مشاهدته. كما استُخدم الفيلم من طرف شعوبٍ مختلفةٍ ومنظماتٍ عديدةٍ في أزمةٍ مختلفةٍ وأماكن متفرّقة بطرقٍ ومعاني متباينة، وهذا ما يُظهر بأنّ المعنى المقصود من الفيلم ليس ثابتًا بل مرنًا وفقًا لقدرات الجمهور المُشاهد على إنتاجه وإعادة إنتاجه في مواقع جديدة وبناءً على أجنداتٍ جيوبولتيكيةٍ مختلفة.

يُقدّم الكاتب أمثلةً أخرى من أفلام “أيّام المجد”، و”خارج القانون”، و”الرجال الأحرار”، وغيرها، حيث استقصى في مقاله كيفية تلقّي هذه الأفلام (عبر منصّات الانترنت) بين النقّاد الغربيّين المتحدّثين باللغة الانجليزية المُشاركين في قاعدة بيانات أفلام الانترنت المعروفة اختصارًا بـ (IMDb) التّي تضّم عشّاق أفلام معتادين جيّدًا على هذه الأنماط من الأفلام ومتواجدين في بيئاتٍ يُهيمن على الحياة السياسية والاجتماعية فيها القلقُ بخصوص مسائلِ الهجرة والنزعة الثقافية التعدّدية والإرهاب.

تُثير الأفلام أسئلةً مُهمّةً حول اعتماد الأساليب السينمائية الهوليودية الشعبية في الفيلم المغاربي-الفرنسي والسُبل التّي يُساعد فيها ذلك على مَوضَعَة التاريخ الكولونيالي الفرنسي-الجزائري في دوائر ثقافيةٍ أوسع، مُخبرًا قصصًا غير مألوفةٍ بطرقٍ مألوفة. ساعدت هذه الأساليب ووجود مُمثليّن من المنطقة المغاربية في هذه الأفلام على انتشار الأفلام الفرنسية-المغاربية، لاسيما مع هيمنة هوليود الأمريكية عالميًا. على سبيل المثال، تمّ اعتبار فيلم “أيّام المجد” (2006) على المستوى العالمي باعتباره “أحسن فيلمٍ حربي منذ فيلم “إنقاذ الجندي ريان” (1998)، وبأنّه يقترب من اللمسة الجمالية للمخرج ستسفن سبيلبرغ مخرج الفيلم الأخير. كان لـ “أيّام المجد” تأثيرٌ على فرنسا منذ صدوره، لربّما كان أشهر مثالٍ على ذلك هو إرغام الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك على إلغاء تجميد المَعاشات التقاعدية للجنود الاستعماريين، والتّي تعود لسنة 1959 حينما صارت العديد من المستعمرات الفرنسية مستقلّة. أمّا فيلم “خارج القانون” (2010) فيُشبه جدًّا في جماليّته أفلام العصابات الأمريكية على غرار “العرّاب” و”حدثَ ذات يومٍ في أمريكا”، ربّما جُعل كذلك ليجني تعاطفًا مُعقّدًا بين المشاهدين لمشَاهدِ العنف الذّي تحتويه وتعرّض الأبطال المناهضين للاستعمار لأمراض الاضطراب. كان تلقّي فيلم “خارج القانون” في فرنسا مختلطًا وتسبّب في نقاشاتٍ حيّة عن التاريخ الفرنسي، تمّ اتّهامه في “مهرجان كان” السينمائي، من طرف مجموعةٍ تُمثّل عسكريّين مخضرمين ومن طرف سياسيّين فرنسيّين أيضًا، بأنّه «معادي للتاريخ الفرنسي ومُزوّر له».

وبينما تمّ النظر إلى هذه الأفلام في فرنسا في سياق الماضي الكولونيالي المثير للجدل، فقد تمّ استقباله في الفضاء الأنجلوفوني في سياق الصراعات الجيوبولتيكية المعاصرة، وعبر عدسات الجيوبولتيك الشعبية التّي تلعب دورها في التأثير على كيفية رؤية الناس “للآخرين” وفهمهم لهم.

وجدت هذه الورقة بأنّ سردياتٍ زمنيّةٍ ومكانيّة مُحدّدة متعلّقة بفرنسا والجزائر ما بعد حقبة الكولونيالية قد تمّ تحويلها وقراءتها جيوبولتيكيًا كرمزيات لصراعاتٍ مألوفة جدًّا، وهي “الحرب على الإرهاب” و”الربيع العربي” و”الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني”. إستخدم بعض النقّاد هذه الأفلام للحديث بشكلٍ نقدي عن التاريخ الكولونيالي والعلاقات الجيوبوليتكية المعاصرة، بينما استخدمها آخرون لتأكيد شكوكهم بخصوص الإسلام و”العالم العربي”. في بعض الحالات يتّم إفراغ الإسلام من السياسة الفرنكوفونية الكولونيالية الخاصّة بها، ويتّم تهجينها وإدماجها في مخيّلةٍ جيوبولتيكيةٍ شعبية تسمح لهم برؤيتها بطريقة مختلفة تمامًا، مثلما فعل أحد النقّاد المبتدئين حينما رأى في احتجاجات الجزائريّين الشهيرة المناهضة لفرنسا سنة 1945 “شبهًا تامًا” بالربيع العربي.

يعتمد المقال في قراءته النظرية للأفلام على إطارين نظريّين، هما أولاً، النظرية ما بعد الكولونيالية، وثانيا، الجيوبولتيك الشعبية.

 

  1. الفيلم ما بعد الكولونيالي والنظرية:

يُوضّح الكاتب أولاً دلالة مصطلح “الفيلم ما بعد الكولونيالي” و”النظرية ما بعد الكولونيالية” (Postcolonial Film and Postcolonial Theory). نشأت النظرية ما بعد الكولونيالية كأداةٍ يتّم عبرها تحدّي الهيمنة الإمبريالية المستمرّة على الثقافة في الفترة التّي أعقبت الحقبة الكولونيالية. لا يُعتبر المصطلح مؤقّتًا من الناحية الزمنية، أيْ لا يتعلّق بالفترة التّي أعقبت إستقلال البلدان المستعمرة فحسب، فقد استُخدم أيضًا كأداةٍ تحليليةٍ نقديةٍ لفحص السلطة/القوة الكولونيالية والإمبريالية في تشكيل المجتمعات ما بعد الكولونيالية.

يُعتبر الزمن والمكان حاسمين في الدراسات ما بعد الكولونيالية، إذْ تتحدّى النزعة ما بعد الكولونيالية الثنائيات السائدة على غرار أولئك الذّين يفصلون الزمن إلى ما قبل النزعة الكولونيالية وما بعدها، ويفصلون المناطق الهامشية المستعمَرة عن المراكز الإمبريالية. حاجج إدوارد سعيد (1978) بأنّ “الصراع على الجغرافيا” يُعدُّ مركزيًا في العلاقات (المابعد) كولونيالية، لا من الناحية المادية فحسب، بل هو مركزيٌ أيضًا في “الجغرافيات المُتخيّلة” (The Imaginative Geographies) التّي تمّ استحضارها في المعركة التّي تُخاض من أجل الفضاء المكاني. أمّا الباحثين بلونت وماك إيوان (Blunt and MacEwan)، فقد حاجّا بأنّ النزعة مابعد الكولونيالية ينبغي أن تُفهم كونها صراعًا مشتّتًا جغرافيًا للقوة الكولونيالية والمعرفة. إنّه لمن المهمّ للنزعة مابعد الكولونيالية أساسًا مسألة “سياسة التمثيل”، حيث تهتّم بمن يتّم تمثيله، وكيف، ومن طرف من، وذلك من أجل العمل باتّجاه تحقيق سُبل المعرفة وقراءة العالم على نحوٍ مختلف.”

يرى الكاتب بأنّ التحوّل في السينما المغاربية-الفرنسية ما بعد سنة 2000م في فرنسا منح رؤيةً ثاقبةً للصراعات المابعد كولونيالية المتعلّقة بالتمثيل والمواجهة (Representation and Encounter). هناك من الباحثين من يرى بأنّ هذه الأفلام تعكس “أسلوبًا فريدًا” يُمثّل “انعكاسًا ذاتيًّا” وسرديّةً ممزّقةً (A Self-reflexive and Fragmented Narratives).

يرى الكاتب بأنّ تطوّر السنيما المغاربية-الفرنسية يُظهر بأنّ الفيلم مابعد الكولونيالي يتميّز بالسيولة/الميوعة، ولا يُمكن تعريفه بسهولة عبر جملةِ سماتٍ ثابتة. في سنوات التسعينات راحت السنيما المغاربية-الفرنسية تعكس حياة جيلٍ جديدٍ من الناس المولودين بشمال إفريقيا الذّين نشأوا في فرنسا. قيامًا بذلك، كان عليها أن تبتعد عن الأسلوب الجريء المتشائم الذّي ميّز الأفلام التّي تدور عن “المهاجر” سنوات السبعينيات، حيث بدأ صنّاع الأفلام في الاعتماد على الأنماط الفرنسية الشعبية لابتكار “شخصيات شارعٍ ذكورية مرغوب فيها” والتّي بامكانها أن تصل إلى جمهورٍ فرنسي أكثر تنوّعًا. ساهم ذلك في الكشف عن المعاملة السلبية التّي يتعرّض لها الشباب المغاربي-الفرنسي وذلك من دون تبنّي موقفٍ عدائي تجاه المجتمع الفرنسي الذّي لهم مصلحةٌ فيه.

أثار ذلك سؤالاً عن ماهية أهداف السنيما المغاربية-الفرنسية وآثارها. بالنسبة للباحث تار (Tarr) لم يكن هدف هذه السنيما “تمكين المغاربة-الفرنسيّين”، ولكن بحلول سنوات التسعينيات على الأقل، صار هدفها مناشدة “الضمير/الوعي الليبرالي النقدي”. هكذا فقد كان تبنّي السينما المغاربية-الفرنسية نمط جماليات الأفلام الهوليودية السائدة الأكثر تأثيرًا مهمّا جدًّا. يتخلّل التقاليد الهوليودية الكيفية التّي يتّم من خلالها سرد التاريخ الكولونيالي في هذه الأفلام، مُمكّنةً إيّاها من الوصول إلى جمهور أوسع، والذّي يشاهدها ويُحوّلها إلى ثقافةٍ محدّدة وسياقاتٍ جيوبولتيكيةٍ بعينها.

 

  1. جماهير الجيوبولتيك الشعبية والنزعة مابعد الكولونيالية:

يفحص التخصّص الفرعي للجيوبولتيك الشعبية الطرق التّي تُخبرنا بها الثقافة الشعبية عن كيفية تفكير الناس بخصوص العلاقات الدولية والأحداث الجيوبولتيكية وعن العالم عمومًا. يهتّم الباحثون هنا بملاحظة كلّ وسائل الإعلام الشعبية بما فيها الصحف والمجلاّت والرسوم المتحرّكة وكتب الكوميكس والدمى والألعاب والأفلام والتلفزيون. يفحص هذا العمل الكيفية التّي تستجيب بها الميديا للهيمنة الأمريكية عادةً، أو للكيفية التّي تعيد بها إنتاج هذه الهيمنة أو تحدّيها، وكذا الاستجابة للأجندات الجيوبولتيكية والرؤية العالمية. إنّ الهدف الأول للجيوبولتيك الشعبية والجيوبولتيك النقدية هو فحص وسائل الإعلام الشعبية هذه، وطرق إنتاجها للجغرافيات المُتخيَّلة والمعرفة الجغرافية.

تُعتبر السنيما قسمًا مركزيًا في هذا الحقل الأكاديمي. على سبيل المثال، أكّد كلٌّ من ماركوس باور وأندرو كرامبتون (Marcus Power and Andrew Crampton) على العلاقة القائمة ما بين هوليود وحدث 11 سبتمبر باعتباره حدثًا جيوبوليكيًا ونقطة انعطافٍ أساسيةٍ في الجيوبولتيك الشعبية، فقد أشارا إلى الطرق التّي تُأطَّرُ فيها أفلامٌ مثل (The Siege) و (Die Hard) وتنتج وتعكس “إنتاج الهوية والاختلاف” والتّي زادت من انقسام العالم بعد 11 سبتمبر. كما أنّ سلسلة جيمس بوند لعبت أدوارًا حيويةً في فهم الناس للعالم حولهم. في الحقيقة بالنسبة للباحث كلوز دودس (Dodds) فإنّ “قوة الفيلم لا ترتبط فقط بانتشاره الظاهر ولكن أيضًا بالطرق التّي يُساعد من خلالها على خلق فهمٍ لأحداثٍ معيّنة وهويّاتٍ وطنيةٍ وعلاقاتٍ مع الآخرين.” يرى باحثون آخرون بأنّ استجابات الجماهير تتنوّع وتعتمد على كلٍّ من سياق استقبال الفيلم وموطن الاستقبال، وكذا وفقًا للسياق الذّي تأتي فيه “المخاوف/الاهتمامات الجيوبولتيكية المعاصرة”. هكذا فقط وضع كلٌّ من جايسون ديتمان وغراي نيكولاس (Jason Dittmen and Gray Nicholas) الجمهور في مركز صناعة المعنى الجيوبولتيكي. ومثلما أشار دودز فإنّ المستهلكين يشاركون بنشاط في إنتاج الجيوبولتيك وفقًا “لأحكامهم المختلفة”. تعتمد هذه الأحكام/التصرّفات على مسرح المشاهدة أو على العلاقات مع الطرف الذّي يشاهدون معه أو على الوسط السياسي والأُطر المرجعية المتاحة. إبتعد الباحثون عن مخرجي الفيلم والسينماتوغرافيين واتجّهوا نحو الممارسات اليومية للجهة المُستهلِكة. لم يتبق للأفلام “معنى ثابت” بعد، حيث يجلب الناس فهمهم الخاصّ إلى الأفلام والتّي يعتبرونها مفتوحةً وبالتالي قابلةً للتأويل استنادًا إلى السياقات المختلفة.

سلّط كلٌّ من الباحثين شارب وكراجيس (Sharp and Cragges) الضوء على العلاقة ما بين الكولونيالية والجيوبولتيك، ودعا شارب إلى مقاربة الجيوبولتيك من خلال عدسات الجهات التابعة/الخاضعة (The Subaltern) التّي تحاجج بأنّه في الوقت الذّي تظلّ فيه القوة والمعرفة مركزًا للجيوبولتيك النقدية فإنّ هذا التخصّص الفرعي يتجاهل عادةً مسألة التمثيل مابعد الكولونيالي. في خضّم القيام بذلك، سعى شارب إلى “تسليط الضوء على تأكيد مابعد الكولونيالية على جلب أصوات أولئك الذّين يتّم عادةً تهميشهم وإسكاتهم في الحسابات التّي يُجريها الآخرين”. على ذات المنوال، يُحاجج الباحث سلاتر (Slater) بأنّ النظرية ما بعد الكولونيالية تسمح “بإعادة التفكير” في العلاقات شمال-جنوب، خصوصًا من ناحية الكيفية التّي تمّ فيها تخيّل العالم وتصنيفه هيراركيًا، ومع انتباهٍ خاصٍّ لمسائل التنمية والسياسة الخارجية والتدخّلات العسكرية.

 

  1. من حرب الاستقلال الجزائرية إلى الحرب على الإرهاب:

تراوحت مراجعات ونقاشات الاعلان الترويجي لفيلم الحرب الجزائري “خارج القانون” (2010) ما بين مقارنات للامبراطورية الفرنسية بالإمبراطورية الأمريكية “الجديدة” إلى دعمٍ مفتوحٍ للحرب على الإرهاب، لذلك كانت الاستجابات الخاصّة بهذا الفيلم مُشَكَّلةً ومُتأثّرةً بشكلٍ كبير بالأحداث الجيوبوليتيكية المعاصرة، خصوصًا غزو أفغانستان والعراق بقيادة الولايات المتحدة وكذا “إرهاب الإسلامويّين”. يمكن أن يُنظر للفيلم، عبر جماهيره، باعتباره موضِعًا للصراعات الجيوبولتيكية، مُقدّمًا فُرصًا لكلّ المتصارعين ومُأكّدًا من جديد الخطابات الجيوبولتيكية المهيمنة. هناك خطرٌ من أن يتّم خلط الجغرافيات الكولونيالية الفرنسية-الجزائرية المُحدّدة مع تلك الخاصّة بالإرهاب. سلّط كلٌّ من الباحثين كارتر ودودز (Carter and Dodds) الضوء على هذه المشكلة التّي تطال الفيلم الجيوبولتيكي الشعبي، والذّي يعمل غالبًا على “تبسيط تعقيدات الجيوبولتيك العالمية إلى مجموعةٍ شاملةٍ من الانقسامات الثنائية والتّي تقود لاحقًا إلى مشكلاتٍ قابلةٍ للتحديد تتطلّب حلولاً حاسمةً وفي بعض الأحيان دراماتيكية.”

يُشير الكاتب إلى أنّ فيلم “خارج القانون” صار بين النقّاد الهوّاة عدسةٌ يتّم عبرها مناقشة الحرب على الإرهاب. على سبيل المثال، لاحظ الكاتب وجود تغريدة في منصّة (IMDb) بعنوان “الصراع الجزائري-الحرب على الإرهاب-أيُّ رسالةٍ لليوم؟” ناقش ضمنها المُراجعون للفيلم مكانة أمريكا في العالم وأخلاقيات الإرهاب. رغم وجود نقاشاتٍ متنوعةٍ وساخنةٍ في التعليقات الواردة ضمن هذه التغريدة، إلاّ أنّ هناك توافقًا عامًا حولها، يتمثّل في أنّ الحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة تُعتبر امتدادًا للقمع الإمبريالي الفرنسي، يرى الكاتب بأنّ فيلم “خارج القانون” ساعد في تعزيز هذا الموقف أكثر.

وردت تعليقاتٌ عَقَدت مقارنةً بين جبهة التحرير الوطني الجزائرية أثناء حرب التحرير وبين “الإرهابيّين” في القرن 21م الذّين يبحثون عن “إنتقامٍ مُبّرَر” ضدّ قمع الغربيّين لهم. كتب أحدهم: “لم تكن لتُوجد ثورةٌ/كراهيةٌ ضدّ الفرنسيّين إن لم يحتّل الفرنسي الطرفَ الجزائري. لم يكن لتُوجد أيّ أفعالٍ إرهابية حول العالم إذا لم يكن هناك من تعرّض للترهيب أولاً. يُسمّى هذا الأمر بالانتقام. أريد أن أقول بأنّ 90% منه مبّرر له.. يُمكننا إيقاف دائرة الانتقام من خلال الاعتراف بالذنب وتقديم تعويضاتٍ وسدادِ ما تمّ أخذه (من الأشياء الماديّة) والتعهّد بعدم تكرار ما حدث، إلخ. لكن زيادة الطين بلّة بالقول: أنّي فعلت ذلك لِما له من خيرٍ يعود عليكَ أو لجعلك مُتحضّرًا أو لتعليمك الديمقراطية، إلخ، فذلك لا يزيد سوى من الكراهية ويُنقص أيّ فرصةٍ للمصالحة.”

ترى تعليقات أخرى بأنّ “الإرهاب الإسلاموي” هو شيءٌ يُؤثّر على الغرب فحسب، كفعلِ “انتقامٍ” نظيرَ قرونٍ من الإمبريالية. لذلك، فإنّ كلا المُراجعتين (اللتّان فحصهما الكاتب) تعتمدان على نفس المُسلّمات الفرضية الاستشراقية، ويبدو ذلك بشكلٍ أوضح في التعليقات الإسلاموفوبية التّي تدّعي معرفةً جيوبولتيكيةً سابقة، مُساهمِةً في تشكيل جغرافيا مُتخيَّلة تزيد بدورها من الانقسامات الثنائية بين الشرق والغرب.

كتب أحد المراجعين الهوّاة عن فيلم “أيّام المجد” تعليقًا يعكس الكثير، فقال: “كلّ ما كان يُمكن التفكير به طيلة مشاهدة هذا الفيلم هو تعصّب المسلمين. لقد طوّرتُ نوعًا من الكُره تجاه الجماعات المسلمة، وهو يشعرني بالعار. أفترض بأنّي لم أكن لأُكوّنَ هذا الشعور لو شاهدتُ الفيلم قبل أحداث 11 سبتمبر 2001.”

تؤكّد هذه المُراجعة بوضوح الرابط القائم بين الطرق التّي تمّ تأطير الإسلام بها ما بعد 11 سبتمبر ثقافيًا وسياسيًا، وكذا علاقات الغربيّين بالمسلمين في المجتمع الواسع.. تُوضّح هذه المراجعات والنقاشات الدائرة حول الفيلم وأمثاله بأنّ الخطابات الجيوبولتيكية الشعبية، على غرار تلك الدائرة حول الحرب على الإرهاب، تُأطّر كيفية تلقّي الناس لقصص “الآخر” وكيفية انخراطهم معها.

 

  1. إضفاءُ الصفّة التاريخية على الربيع العربي وقضية إسرائيل-فلسطين:

ناقش النقّاد أيضًا فيلميْ “خارج القانون” (2010)، و”الرجال الأحرار” (2011) لإقامة العلاقة بين ما يُسمى بـ “الربيع العربي” و”قضية إسرائيل-فلسطين”. كان الربيع العربي جاريًا في جزءٍ واسع من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما فيها الجزائر، في الوقت الذّي تمّ فيه إصدار فيلم “خارج القانون” بالمملكة المتحدّة سنة 2010، والولايات المتحدّة سنة 2011. علّق الكاتب مارك هاريس (Mark Harris) قائلاً: «بأنّه الفيلم الأحسن لهذا العام الذّي يجري فيه ما يُسمّى بالربيع العربي”.. فكما قرأ غيره الفيلم في ارتباطٍ وثيقٍ بالحرب على الإرهاب، حاجج هاريس بأنّ الفيلم يمكن أن يُقرأ كجزءٍ من التاريخ الطويل للثورات التّي تحدث مؤخّرًا في “العالم العربي». أمّا أندرو لاتيمر (Andrew Latimer) فكتب في مراجعته للفيلم مُحاججًا: «في الوقت الذّي تستمر فيه الانتفاضات في العالم العربي في التصعيد، فإنّ جهلنا للمِحن الفردية والمعاناة قد زاد من إرباك مدركاتنا.. ومع توقيت صدور الفيلم المتزامن مع ثوراتٍ تحدث في الجزائر نفسها ولدى جيرانها في ليبيا والمغرب الأقصى وغيرها، فلربّما يكون هذا الفيلم أكثر الأفلام راهنيّةً وصلةً سوف نشاهده لبعض الوقت».

يرى كاتب الدراسة بأنّه ومن خلال إرساء الصلّة بين حرب الاستقلال الجزائرية في “فيلم خارج القانون” والربيع العربي، فإنّ هذا النقد يخلط بين جغرافيات المقاومة المدنيّة المنتشرة مؤخّرًا عبر شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بجغرافيا عنفٍ مُحدّدٍ مناهضٍ للكولونيالية وضدّ الإمبراطورية الفرنسية. هناك من النقّاد الهوّاة من كتب بأنّ الفيلم يُظهر استمرار الشعوب العربية في الانتفاض ضدّ الكولونيالية الجديدة، في إشارةٍ إلى الدعم الأمريكي للأنظمة العربية التّي ترفضها الجماهير، وذلك بعدما ربط مشهد مظاهرات الجزائريّين العارمة ضدّ فرنسا في 8 مايو 1945م بالمظاهرات الحاليّة التّي شهدتها دول الربيع العربي، ومنها الجزائر نفسها.

أمّا فيلم “الرجال الأحرار” (2011) للمخرج المغربي-الفرنسي إسماعيل فيروخي، فتمّت قراءته كرمزيةٍ لقضية إسرائيل-فلسطين. تمحور الفيلم حول تاريخ إنقاذ اليهود من النازية بمساعدة مسجد باريس خلال الحرب العالمية الثانية، فالفيلم يضع نفسه كتدخّلٍ في التاريخ الأبيض للمقاومة الفرنسية، وهو يُقدّم بذلك صورةً إيجابيةً عن المسلمين في القرن الحادي والعشرين. بطلا الفيلم هما جزائريان، أحدهما مسلمٌ والآخر يهودي. لسرديةِ المسلم واليهودي في الفيلم خصوصيةٌ تاريخية ترجع لـ “قانون كريميو” الذّي أصدرته فرنسا سنة 1870م ومنحت بموجبه حقّ المواطنة الفرنسية ليهود الجزائر، وسحبت ذات الحقّ من غالبية المسلمين الجزائريّين. لكنّ أغلب النقّاد لا يعرفون هذه الخصوصية التاريخية، وبالتالي نظر كثيرٌ منهم للفيلم ولعلاقات المسلم واليهودي فيه عبر عدسات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

أثار فيلم “الرجال الأحرار” نقاشاتٍ بين النقّاد عن الدقّة التاريخية له، مع تساؤلٍ جدّيٍ عن حقيقة قصّة إنقاذ المسلمين لليهود. تراوحت النقاشات بين أطرافٍ احتفت بالتناغم السلمي في الماضي العربي-اليهودي، وبالتالي الأمل في حاضرٍ ومستقبلٍ أفضل، وبين أطرافٍ رأت في هذه النسخة مجرّد “أسطورة”.

حاجج البعض بأنّ قوة الفيلم تكمنُ في أنّه يمكن قراءته ضدّ قصّة وسائل الإعلام السلبية المستمرة التّي تُغطّي الصراع في إسرائيل-فلسطين، على حساب قصّةٍ أكثر إيجابية عن الوحدة. أمّا بعضهم فقد استحضر عند مشاهدة الفيلم ذلك التناغم الذّي عاشه العرب والمسلمون واليهود والمسيحيّون في الأندلس القديمة، في وقتٍ كانت أوروبا تعيش في جهلِ العصور الوسطى. هذه الصورة الرومانتيكية التاريخية المُتخيَّلة عن الأندلس جعلت أصحابها يأملون في شرقٍ أوسط يعمّه السلام من خلال النظر إلى النسخة الأسطورية للماضي، بينما رأى بعضهم في ذلك مجرّد صورةٍ طوبوية للتناغم بين العرب واليهود، وأنّ الفيلم قد باء بالفشل إذا كان هدفه تضخيمها.. بينما كانت هناك تعليقاتٌ لم تستسغِ كيف يُمثّل عربيٌ دورَ شخصٍ يهودي، وهي تعليقاتٌ توحي بوجود عنصريةٍ قديمة.

تُظهر العديد من هذه المُراجعات، في نظر الكاتب، بأنّ التاريخ الكولونيالي المُعقّد، الذّي قد يبدو جديدًا لهؤلاء النقّاد في منصّة IMDb، يتّم استخدامه للمساعدة في تأطير الربيع العربي وقضية إسرائيل-فلسطين. في قيامهم بذلك، يُخلِط المراجعون بين السياسة المناهضة للكولونيالية في هذه الأفلام مع الصراع المعاصر بطرقٍ تُبسّط كلاهما، مُنتجين مُخيّلةً إستشراقيةً تُرشدُ بدورها الجيوبولتيك الشعبية. يتسبّب الخوف من الإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر والسياسة الإسرائيلية-الفلسطينية في تأطير السُبل التّي يمكن من خلالها أن يرى المراجعون فيلم “الرجال الأحرار”، بينما تحلّ رغبتهم في فهمٍ أفضل للربيع العربي محلّ الانخراط الكامل مع حرب الاستقلال الجزائرية في فيلم “خارج القانون”.

 

أليكس هاستيه:

هو أستاذ محاضر في الجغرافيا البشرية في مدرسة الطاقة والبناء والبيئة في جامعة كوفنتري. تستكشف أبحاثه الفضاءات المتغيّرة للأفلام والسينما، مع التركيز الخاصّ على كيفية تحويل منصّات الترفيه الرقمي، مثل نتفليكس، لعملية مشاهدة الأفلام والوصول إليها من خلال استخدام الخوارزميات واستخراج البيانات وتصميم الواجهة. تضمّ أبحاثه أعمالاً عن جغرافيا الأفلام والجمهور والمحتوى الرقمي، بالإضافة إلى نظرياتٍ ومفاهيمٍ حول مجالات الإعلام والأفلام والدراسات الثقافية. تأتي إلهامات أعمال أليكس من دراسة السينما ما بعد الكولونيالية، وبالتالي تلعب النظرية ما بعد الكولونيالية دورًا كبيرًا في تشكيل أفكاره حول قضايا الأفلام ومشاهدة الأفلام. تُنشر أعماله في مجلاّت محكمة عابرة لحدود التخصّصات في مجالات دراسات الجندر، الجيوبولتيك، الجغرافيا، دراسات الأفلام، ودراسات الجمهور.

جلال خَشِّيبْ:

باحث رئيسي بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) التابع لجامعة إسطنبول صباح الدّين زعيم بتركيا، مقيمٌ بإسطنبول. تهتّم أعماله البحثية بمجال الجيوبوليتيك، نظريات العلاقات الدولية، سياسات القوى العظمى، جيوبولتيك أوراسيا وبحر الصين الجنوبي وشمال افريقيا، السياسة الخارجية التركية والسياسة الخارجية الجزائرية. له العديد من الكتب والدراسات والترجمات والملخصّات الأكاديمية. تظهر أعماله بمجلاّت دولية مُحكّمة ومراكز أبحاث عديدة، باللغتين العربية والانجليزية، منها كتاب “النظام الدولي الليبرالي: جون ميرشايمر في مواجهة جون آيكينبري، صعودٌ أم سقوط؟” (2021)، وكتاب “أثر التحوّلات الطارئة في بنية النظام الدولي على التوجّهات الكبرى للسياسة الخارجية التركية” (2017)، وكتاب “آفاق الانتقال الديمقراطي في روسيا” (2015).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *