تأليف: د. يحيى محمّد لمين مَسْتَاكْ  

 

عرض ومراجعة: جلال خَشِّيبْ

 

 

محتويات المراجعة:

مقدّمة

i.            غموض الجغرافيا وإرث التاريخ

ii.            تهديداتٌ أمنية، منافساتٌ دولية وجهودٌ لبناء السلام

1. المقاربة الفرنسية تجاه الساحل الإفريقي

2. المقاربة الأمريكية تجاه الساحل الإفريقي

 

iii.            الجزائر ومنطقة الساحل الإفريقي

1. المقاربة الجزائرية لمواجهة التهديدات الأمنية على المستوى الداخلي

2. المقاربة الجزائرية لمواجهة التهديدات الأمنية على المستوى الخارجي

3. الجزائر والمقاربات الدولية والإقليمية بين التضارب والتكامل

  خاتمة

 

مقدّمة:

يدرس الكتاب التحدّيات الأمنية التّي تواجهها الجزائر على حدودها الجنوبية المضطربة، حيث وضع القدر الجغرافي أكبر دولةٍ عربيةٍ من حيث المساحة مجاورةً لأحد أحد أبرز المناطق الجغرافية المضطربة التّي من شأنها أن تعيد تشكيل السياسة العالمية في عصر جديدٍ من تنافس القوى الكبرى، أي منطقة الساحل الإفريقي ما وراء الصحراء الإفريقية الكبرى، وفقًا للباحث تيم مارشال في كتابه “قوة الجغرافيا” (2022)، وهي المنطقة الممتّدة على حزامٍ جغرافيٍ يربط ما بين البحر الأحمر وخليج السنيغال. تُعتبر هذه المنطقة مصدرًا للفرص والمخاطر والتهديدات في المدركات الأمنية لصنّاع القرار الجزائريّين، لا يرجع ذلك فقط إلى الوضع المضطرب الذّي عرفته المنطقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتنامي الحركات الانفصالية والارهابية والحروب الأهلية والدول الفاشلة وتزايد التنافس الدولي هناك، فالمسألة بالنسبة للجزائر مرتبطة بقدرها الجغرافي الثابت بعيدًا عن هذه المتغيّرات، هذا ما عبّر عنه الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين (1963-1978) حينما قال: “إنّ المغرب العربي والمنطقة الفاصلة بين القاهرة وداكار تمثّل منطقة أمنٍ بالنسبة للجزائر، وأنّه لا يمكن أن يحصل أيُّ تغييرٍ في المنطقة دون إتفاقٍ مع الجزائر.” إنّها تُمثّل باختصار عمقًا إستراتيجيًا بالنسبة للجزائر وأحد دوائرها الأمنية الثلاث، إلى جانب الدائرتيْن العربية والمتوسطيّة.

يُقدّم الكتاب في بدايته نبذةً تاريخيةً عن المنطقة وتشخيصًا جغرافيًا وجيوبولتيكيًا لها ولأبرز أزماتها، ثمّ يُوضّح في الفصل الأول مدى أهميّتها بالنسبة للقوى الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة وفرنسا، والتنافس المتنامي بينهما على المنطقة، بينما يُقدّم الفصل الثاني فكرةً شاملةً عن مشاريع السلم الأُمميّة والإقليمية لإحتواء أزماتها وتعزيز سبل التعاون بين دولها تحقيقًا للأمن والاستقرار والتنمية. أمّا الفصل الأخير فيُخصّصه الكاتب لتحليل المقاربة الجزائرية تجاه المنطقة وأزماتها الأمنية، وطبيعة المواقف الجزائرية تجاه القوى الكبرى المتنافسة في المنطقة وكيفية تفاعلها معها، مُوضّحًا كيف تُشكّل المنطقة بالنسبة للجزائر عمومًا مصدرًا للفرص والتهديدات في آن. يُحدّد الكتاب الفترة المحصورة ما بين سنتيْ 2011 و2018 كمجالٍ زمني للدراسة. صدر الكتاب في 133 صفحة عن دار خيال الجزائرية سنة 2020، وهو من تأليف د. يحيى محمد لمين مستاك (رحمه الله) أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ورئيس القسم سابقًا بجامعة خميس مليانة- الجزائر.

 

i.            غموض الجغرافيا وإرث التاريخ:

يُشير الكاتب في البداية لعدم وجود تعريفٍ مُوحّدٍ واضحٍ لمنطقة الساحل الإفريقي، وبأنّ التعريفات المطروحة له محكومةٌ بخلفياتٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ وجيوبولتيكيةٍ-مصلحيةٍ متباينة بين دول المنطقة والقوى الخارجية. تُحدّدها بعض الدرسات الجغرافية بأنّها تشمل أجزاءً من 12 بلدًا وهي: وسط موريتانيا وجنوبها، وشمال السنيغال، وغامبيا، وجنوب مالي، والنيجر، والتشاد، وأقصى شمال بوركينا فاسو، ونيجيريا، ووسط السودان وجنوبه، وإريتيريا. تضيف بعضها دولاً أخرى كالجزائر وليبيا ومصر، بينما تستثني جهاتٌ أخرى، كمُنظّمة “تجمع دول الساحل والصحراء”، الجزائر من دول الساحل رغم أنّ الجزائر تضّم أكبر جزءٍ من صحراء المنطقة، في حين تضيف المُنظّمة دولتيْ إفريقيا الوسطى والصومال.

رغم هذا التباين المحكوم بخلفياتٍ متعدّدة، إلاّ أنّ منطقة الساحل الإفريقي عمومًا تحظى بمواصفاتٍ مشتركةٍ من الناحية المناخية والاجتماعية والثقافية، كما تُعتبر منطقةً حيويةً في العلاقات الدولية والتفاعلات القائمة بين دول الضفّة الشمالية والجنوبية للمتوسّط وبقية الدول الإفريقية. تتصّف المنطقة باجتماع عوامل الهشاشة وعدم الاستقرار لدولها بحكم طبيعتها القاسية ومساحتها الشاسعة صعبة الضبط، إذ لا تكاد تفصل بين دولها حدودٌ طبيعيةٌ طبوغرافية، أغلبها حدودٌ عشوائيةٌ موروثةٌ عن الحقبة الكولونيالية. كما تعرف المنطقة تزايدًا للصراع على مواردها الطبيعية سواءً بين القوى الكبرى أو بين الإثنيات المتناحرة داخل هذه الدول. تشير إحصائيات بأنّ 73% من دول الساحل الإفريقي تعرضت لحروب أهليّة، و29% من دولها تتحكّم فيها سياسات عائدات الموارد الطبيعية، و30% يعانون من الاحتباس وسط جيران سيّئين وشحٍ في الموارد، و76% خضعوا لعهودٍ طويلةٍ من الحكم السيّئ والسياسات الاقتصادية الفاشلة، فضلاً عن تحوّل المنطقة إلى بؤرةٍ للجريمة المنظّمة والحركات الإرهابية والإنفصالية وتجارة السلاح والمخدّرات والإتّجار بالبشر، ما جعل البعض يعتبرها “قوس أزماتٍ” آخر يجب أن يخضع لمراقبة الباحثين وصنّاع القرار.

تهتّم الدول بالمنظور الجيوبولتيكي لمنطقة الساحل، وبالتالي يتحرّك كلٌّ منها تجاه المنطقة وقضاياها وفقًا لحاجياته الأمنية والجيوبولتيكية والجيواقتصادية. ليست الجزائر استثناءً في هذا الصدد، فهي تركّز مثلاً في خطاباتها ومبادراتها العمليّة على دول الساحل الثلاث المتاخمة لحدودها: مالي والنيجر وموريتانيا، أو ما صار يُعرف لديها بـ “دول الميدان”

 

ظلّت الجزائر تراقب هذه الدول الثلاث بحذر منذ الاستقلال سنة 1962، ففي الوقت الذّي كانت فيه الجزائر تخوض ثورتها التحريرية ضدّ الكولونيالية الفرنسية، كانت فرنسا تعبث بالمنطقة الجنوبية على طول الحدود الحاليّة للجزائر والمناطق الشمالية لمالي والنيجر وتشاد، إذْ أنشأت ما عُرف بـ “المُنظّمة المشتركة للمناطق الصحراوية” سنة 1957، سعت عبرها لإعداد جماعةٍ إقليميةٍ تتألّف من بعض سكان هذه المناطق المنتمين لإثنية الطوارق، واستخدامها لأجل إبقاء نفوذها في هذه المنطقة الغنيّة بالموارد الطبيعية، مُشّجعةً إيّاهم على تكوين دولتهم الخاصّة. هكذا ومع إستقلال الجزائر وظهور دولٍ حديثةِ الاستقلال بالمنطقة نشبت توتّرات ثمّ نزاعات، لاسيما في دولتيْ مالي والنيجر. حرصت فرنسا في ذات الوقت على أن تكرّس أنظمة حكمٍ سياسيةٍ مواليةٍ لها في هذه الدول (حتّى وان كانت أنظمةً إستبدادية) قدّمت لها الدعم وربطتها بمصالحها عبر اتفاقياتٍ ثنائيةٍ في مجالاتٍ عديدة، ويرى الكاتب بأنّ فرنسا ظلّت ترى في منطقة الساحل الافريقي كمنطقةٍ لإحتواء الفاعليْن الرئيسيّيْن فيها بعد خروج الاستعمار، أيْ الجزائر وليبيا. هكذا عملت فرنسا على ترسيخ نخبٍ مواليةٍ لها ودعمت إنقلاباتٍ عسكريةٍ وحالت دون أخرى وفقًا لما تطلبّته مصلحتها، ووقفت في وجه أيّ نخبٍ محليّةٍ أرادت إنهاء الكولونيالية الجديدة. يشير الكاتب إلى أنّه ومنذ سنة 1963 تعرّض أكثر من 22 رئيسًا إفريقيًا للاغتيال من طرف المخابرات الفرنسية والدول الإستعمارية الأخرى لوأد أيّ محاولةٍ إستقلاليةٍ تظهر في هذه الدول. هكذا تميّزت دول إفريقيا ما بعد الإستعمار بخضوعها لحكمِ أنظمةٍ تتبّع نهج “ديمقراطية الواجهة” وترتبط بالمستعمر القديم سياسيًا وثقافيًا وإقتصاديًا. يشير الكاتب لوجود 14 دولة إفريقية، منها دول الساحل، تستخدم عملة الفرنك الفرنسي القديم إلى الآن بعد أكثر من 70 سنة من إستقلالها، بل إنّ عُملتها تُطبع في فرنسا ثمّ تُرسل لهذه الدول، وتقوم هذه الدول بدفع 50% كضريبة لفرنسا كلّ سنة.

يمكن القول بناءً على ما سبق، بأنّ منطقة الساحل الإفريقي هي بناءٌ متراكبٌ ساهم في تشكيله القدر الجغرافي لهذه المنطقة والإرث التاريخي الذّي ورثته عن الكولونيالية الفرنسية ولا يزال يُلاحقها إلى اليوم عبر وسائل سياسيةٍ وعسكريةٍ وإقتصاديةٍ وثقافية، وكلّها عوامل عبّدت الطريق للنزعات التّي يشهدها الساحل الإفريقي اليوم، وفقًا لما يستنتجه الكاتب.

 

ii.            تهديداتٌ أمنية، منافساتٌ دولية وجهودٌ لبناء السلام:

يُسلّط هذا الفصل الضوء على التنافس الدولي الجاري في منطقة الساحل الإفريقي، مُوضّحًا مدى أهميّتها بالنسبة للقوى الكبرى، لاسيما فرنسا والولايات المتحدة، كما يشرح آليات التدخّل والسياسات التّي لجأت إليها هذيْن القوتيّن وأهداف كلّ منهما من وراء هذا التدخّل. لقد تمكّنت فرنسا والولايات المتحدة من متابعة إستراتيجيةٍ توافقيةٍ رغم ما بينهما من تنافس شديد على ثروات المنطقة.

 

1. المقاربة الفرنسية تجاه الساحل الإفريقي:

ظلّت فرنسا ترى في منطقة الساحل الإفريقي مجالاً حيويًا لها حتّى بعد نهاية حقبتها الكولونيالية هناك، إذْ حرصت على إبقاء نفوذها في دول المنطقة بطرق وأشكالٍ شتّى أبرزها الطرق الثقافية والنفسية، فهي تُروّج لحضورها كطرفٍ مساهمٍ في جلب التنوير والمدنية لشعوب المنطقة عبر مؤسّساتها الثقافية ذات النزعة الإمبريالية، كالمنظمة الدولية الفرنكوفونية. تربط فرنسا دول المنطقة بها عبر روابط ماليةٍ وتجاريةٍ وإقامة تحالفاتٍ سياسيةٍ وعلاقاتٍ شخصيةٍ بين القادة الأفارقة والبرجوازية الفرنسية وترسيخ نخبٍ إفريقيةٍ ترى في بارس منارةً لها، هكذا خلقت فرنسا نخبًا إفريقيةً لها دوافع شخصية وسياسية للدفاع عن مصالح باريس. تنظر فرنسا لدول المنطقة باعتبارها مصدرًا للعمالة الرخيصة التّي تحرص على جلبها إلى أراضيها للاشتغلال في الأعمال التّي لا يقبل بها “الرجل الأبيض”، كما تنظر لهذه الدول كسوقٍ لتصريف السلع الفرنسية، بل ومنطقةً لتجريب أسلحتها وترويج بيعها، مثلما يقول الكاتب: “لم يكن بالامكان بيع طائرة رافال الفرنسية لمصر عام 2015 ثمّ للهند وقطر دون التدخّل العسكري الفرنسي في ليبيا سنة 2011 ومالي سنة 2013.” إضافةً لذلك فالمنطقة بالنسبة لفرنسا تُعتبر مصدرًا للموارد الخام الرخيصة والموارد المائية الجوفية، حيث تحرص فرنسا على التحكّم في موارد المنطقة وربطها بشركاتها. أمّا أكثر أشكال الهيمنة وضوحًا فهي التدخّلات العسكرية والتواجد العسكري الميداني لفرنسا، حيث تتفوّق الأخيرة على كلّ القوى الأخرى من حيث تدخلاتّها العسكرية في الساحل الإفريقي.

يتحدّث الكاتب بعدها عن آليات التدخل العسكري الفرنسي في الساحل الإفريقي ويحصرها في اثنتيْن:

أ. القواعد العسكرية: تتواجد فرنسا عسكريًا في عشر دول على طول الساحل الإفريقي، لها قاعدتيْن عسكريتيْن مهمّتيْن، واحدةٌ في جيبوتي والأخرى في كوت ديفوار، إضافةً لقاعدة استخباراتٍ جويّة في النيجر. تُجري فرنسا عملياتٍ خارجيةٍ مؤقتّة أيضًا لضمان وجودها الدائم، مثل عملية بارخان (Barkhane) في مالي.

ب. إتفاقيات التعاون العسكري والدفاع: تُقدّم بموجبها فرنسا تدريباتٍ لجيوش دول المنطقة وتُجهّزها بالعتاد العسكري، كما تتضمّن بعض الاتفاقيات بنودًا سريّة كالحماية ضدّ التهديدات الداخلية (الإطاحة “بالدكتاتوريات” مثلاً..) في مقابل الحصول على الموارد الإستراتيجية كالنفط. كما أنشأت فرنسا آلياتٍ لدعم المؤسّسات الأمنية الإقليمية لدول الساحل الإفريقي مثل آلية (Recamp) عن طريق تكوينٍ خاصٍّ في عمليات حفظ السلام وتدريب القوات العسكرية على كيفية إدارة الأزمات وتأهيل القادة والجيوش لمواجهة التحدّيات الداخلية والخارجية.

 

يختصر الكاتب جملة أهداف السياسة الفرنسية تجاه منطقة الساحل الإفريقي فيما يلي:

أ. الهيمنة على منطقة الساحل الإفريقي عبر الطرق والأشكال المُشار إليها قبل قليل.

ب. مواجهة النفوذ الأمريكي والصيني المتزايد في المنطقة، حيث تُدرك فرنسا قوة هذيْن المنافسيْن، ففي الوقت الذّي عملت فيه الولايات المتحدة بعد سقوط الإتحاد السوفياتي على ملئ الفراغ الذّي خلّفه في القارّة، لاسيما من الناحتيْن الأمنية والعسكرية، اتجّهت الصين لتعزيز علاقاتها التجارية والاقتصادية مع دولها، فهي المستثمر الأول في القارّة الإفريقية، ويفوق حجم التبادل التجاري بينها وبين القارة السمراء (البالغ 190 مليار دولار) حجم تبادل القارّة مع الولايات المتحدة والهند وفرنسا مجتمعين. لذلك تحرص فرنسا على طرد النفوذ الصيني والأمريكي، لاسيما في الساحل الإفريقي، ولو بإقحام نفسها في تدخّلاتٍ عسكريةٍ تضمن لها مكانةً ما بينهما، كما حدث في ليبيا سنة 2011.

 

ج. الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية مع دول المنطقة عبر شرِكاتها المشتغلة في مجالاتٍ متعدّدةٍ على غرار استثمارات شركة توتال (Total) في قطاع النفط والطاقة وأورانج (Orange) في الإتصالات و(BNP Paribas) في قطاع البنوك. تستفيد الشركات الفرنسية من الموارد الإفريقية، على سبيل المثال فإنّ حوالي 90% من الطاقة الكهربائية الموّلدة في فرنسا يُنتجها المفاعل النووي الذّي يعتمد عمله على يورانيوم النيجر من خلال شركة أريفا (Areva).

 

تعمل فرنسا، وفقًا للكاتب، على جعل تدخّلاتها العسكرية ووجودها في دول الساحل الإفريقي أكثر شرعيةً عبر العمل تحت مظلّة هيئة الأمم المتحدة والقانون الدولي، مثلما فعلت في عملية ليكورن (Licorne) بكوت ديفوار ما بين 2012-2014، كما حرصت بأن تكون عمليّاتها العسكرية متعدّدة الأطراف مع شركاء أوروبيّين أو أفارقة أو حتّى عرب، فمن شأن ذلك أن يُخفّف عنها الأعباء المالية واللوجستية التّي تتطلّبها هذه العمليات. على سبيل المثال، مُولّت عمليتها العسكرية في مالي المُسمّاة (OPEX) من طرف الإتحاد الأوروبي، كما مَوّلت تحالفًا كوّنته ضدّ الإرهاب مع خمس دول من الساحل سُميّ بـ (G5 Sahel) بفضل السعودية والإمارات المساهِمتيْن بـ 100 مليون يورو و30 مليون يورو على التوالي.

إنّه لمن الصعب جدًّا، وفقًا لما يستنتجه الباحث، أن تتخلّى فرنسا عن إفريقيا، فهي مجالٌ حيويٌ لمجدها التاريخي ونفوذها، و”لن يكون لفرنسا مستقبلٌ في القرن الحادي والعشرين من دون إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي خصوصًا”، مثلما صرّح الرئيس الفرنسي الأسبق فرونسوا ميتيران سنة 1994.

 

2. المقاربة الأمريكية تجاه الساحل الإفريقي:

بدأت منطقة الساحل الإفريقي تحظى باهتمامٍ أمريكيٍ متزايدٍ منذ هجمات 11 سبتمبر، حيث تُعتبر بالنسبة لها بمثابة الجبهة الثانية في حربها على الإرهاب. فبعد هذه الأحداث مباشرةً أنشأت الولايات المتحدة سنة 2002 مبادرة الساحل الإفريقي (Pan-Sahel Initiative) ثمّ ألحقتها بمبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء (The Trans-Sahra Counterterrorism Initiative). تضّم المبادرتيْن دول المنطقة، منها الجزائر ونيجيريا، وتُقدّم عبرهما الولايات المتحدة تدريباتٍ عسكريةٍ ومساعداتٍ إنمائيةٍ لمكافحة الإرهاب. يرى الكاتب بأنّ إدراج الولايات المتحدة لكلّ من الجزائر ونيجيريا (أكبر دولتيْن بتروليتين) ضمن المبادرة الثانية لهو أحسن دليلٍ على أنّ لواشنطن أهدافًا طاقويةً تتعدّى مجرّد حفظ السلام في المنطقة.

يُشير الكاتب في هذا الصدد إلى تقرير نشره ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي، سنة 2001، إعتبر فيه إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المصدر الرئيسي لمستلزمات النفط الأمريكية المستقبلية، متوقّعًا أن يزوّد خليج غينيا الولايات المتحدة بـ 35% من وارداتها النفطية بحلول سنة 2015، وهذا ما يجعل النفط الإفريقي يُمثّل بالنسبة لواشنطن مصلحةً وطنيةً إستراتيجية، وفقًا للكاتب، جعلت الولايات المتحدة تتجّه لعسكرة منطقة الساحل الإفريقي حتّى تحمي هذه المصلحة تحت مبرّرات الحرب على الإرهاب العالمي. يذهب الكاتب إلى أكثر من ذلك، حيث يرى بأنّ الولايات المتحدة عملت على فبركة الإرهاب في منطقة الساحل وجلب إرهابيّين من مناطق أخرى وإنشاء مجموعاتٍ إستخباراتيةٍ سريّةٍ لذلك مثل “مجموعة العمليات الإستباقية والوقائية(Proactive and Preemtive Operations Group) تمنحها مبرّرات للتدخل العسكري هناك، فضلاً عن تجنيد منظماتٍ غير حكوميةٍ لتهيئة الظروف المزعزعة للإستقرار.

منذ سنة 2008 صارت الولايات المتحدة تتولّى إدارة وتنفيذ المهام الأمنية الأمريكية في إفريقيا عبر قيادتها الجديدة المُسماة أفريكوم (AFRICOM)، والتّي لا تهدف، وفقًا للكاتب، إلى تعزيز الأمن الإفريقي ومنع الحروب، بقدر ما تخدم الجيش الأمريكي والشركات الأمنية الخاصّة، مثل بلاك ووتر، وشركات النفط الأمريكية، فضلاً عن الحكومات الفاسدة في إفريقيا.

 

يشير الكاتب لوجود هدفين رئيسيين إثنين تعمل الولايات المتحدة على تحقيقهما في منطقة الساحل الإفريقي:

أولاًّ، تأمين الواردات النفطية وحماية المصالح الأمريكية الحيوية، حيث دعا سياسيون أمريكيون إلى معاملة النفط الإفريقي كأولويةٍ بالنسبة للأمن القومي الأمريكي. للمنطقة أكبر صحراء في العالم ما يجعلها مصدرًا أساسيًا للطاقة الشمسية البديلة والكهرباء، فضلاً عمّا يحتويه باطنها من خزّان ضخمٍ للمياه الجوفية العذبة، كما أنّ إطلالتها البحرية في الشرق والغرب يجعلها ممّرًا بحريًا حيويًا يُستوجب حمايته لتأمين خطوط التوريد البحرية.

ثانيا، إحتواء النفوذ الصيني في المنطقة، لاسيما مع تفوّق الشركات الصينية النفطية في إفريقيا على نظيرتها الأنجلو-أمريكية، وتنامي التواجد الصيني عبر كامل أرجاء القارّة. لذلك إتجّهت الولايات المتحدة لإبرام إتفاقيات شراكةٍ مع الدول الأوروبية، لاسيما فرنسا لكبح الصين هناك.

 

بناءً على ما سبق، يخلص الباحث إلى أنّ القوى الكبرى، لاسيما فرنسا والولايات المتحدة تنظر لمنطقة الساحل الإفريقي باعتبارها منطقة تلاقي وتضاربٍ للمصالح والرؤى الإستراتيجية في آن واحد، وبأنّ المقاربات المتباينة للقوى الكبرى هناك تجعل من المنطقة حلبة تنافسٍ، وتزيدُ من إحتمالات عدم الإستقرار والنزاع فيها، ممّا يجعل المنطقة مصدرًا محتملاً لأشكالٍ عدّة من التهديدات والمخاطر.

 

لذلك فهو يُخصّص فصلاً كاملاً من الكتاب ليُقدّم عبره خارطةً شاملةً عن جهود بناء السلم وتعزيز التنمية والإستقرار التّي تضطلع بها هيئة الأمم المتحدّة والمنظمات الإفريقية الإقليمية لإحتواء أزمات الساحل الإفريقي وتعزيز سبل التعاون بين دوله، غير أنّه يستنتج بأنّ الجهود الأُمميّة تُركّز على المقاربة الأمنية أكثر في محاولة إيجاد إستراتيجيةٍ شاملة، ويصف إستراتيجيتها المعتمدة بكونها مجرّد حبرٍ على ورق، تفتقر إلى الفعالية العملية. فضلاً بأنّ جهود هئية الأمم المتحدة تخدم في النهاية مصالح القوى الكبرى التّي تتحكّم في برامج ومشاريع الهيئة كونها المموّل الرئيس لميزانيّتها. أمّا جهود الإتحاد الإفريقي والمنظمات الإفريقية الإقليمية فبالرغم من أهميّتها وتعدّد مجالات عملها إلاّ أنّها، على حدّ وصف الكاتب، مخترقةٌ من طرف القوى الكبرى، لا سيما فرنسا والإتحاد الأوروبي، وغالبًا ما تكون ميزانيّتها وأجندتها وسياساتها مرتبطةٌ بالمصالح التّي تتطلّع إليها هذه القوى، كالحدّ من الهجرة غير الشرعية والتطرّف العنيف ونشاط الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المُنظّمة والمخدرات، والتّي تتسبّب في جعل الضفّة الجنوبية للمتوسّط مصدرًا للتهديدات المُحدقة بالقارة الأوروبية. علاوةً على ذلك، فإنّ تعدّد المشاريع الأممية والإقليمية يعكس في نظره تشتّتًا في معالجة مسائل الأمن والتنمية بالمنطقة، كما أدّت هذه المشاريع إلى تنامي الاستقطاب بين دول المنطقة وولّدت شكوكًا لدى الأطراف المتنازعة، وحالةً من عدم الثقّة بين دولها، وانتهت بالمنافسة بين دول المنطقة على تقديم شتّى أنواع التسهيلات للقوى الكبرى والرضوح لإملاءاتها ومصالحها على حساب المشاريع والمصالح الإفريقية.

 

تعكس رؤية الكاتب وجود نزعة مناهضة للكولونيالية في تحليله وتأثّرًا نظريًا بمقاربات ما بعد الكولونيالية والمقاربات اليسارية أو الوطنية المناهضة للاستعمار، فهو يرى بعد عرضه الشامل لجهود المنظمات الدولية والإقليمية في بناء السلام وتعزيز التنمية والأمن في الساحل الإفريقي، بأنّ هذه المنظمات لا تُمثّل من الناحية العملية سوى نافذةً لتوغّل نفوذ القوى الكبرى في منطقة الساحل الإفريقي ووسيلةً كولونياليةً جديدةً لتعزيز تبعيّةٍ أقوى لدول المنطقة وجيوشها خصوصًا للقوى الكبرى. تنعكس نزعته المناهضة للكولونيالية أيضًا في الاقتباسات التّي يفتتحُ بها كلّ فصلٍ من فصول الكتاب، إذْ يفتتحُ الفصل الأول بعبارة للكاتب المالي إبراهما آية: “الهزيمة ليست في فقدان الحريّة ولكن في رفض استعادتها”، بينما يفتتح الفصل الثاني بإقتباسٍ للزعيم الغاني الأسبق كوامي نكروما المعروف بمناهضته للاستعمار في حقبة ستينيات وسبعينيات القرن العشرين: “إنّ القوى التّي تُوحدّنا هي حقيقية وأعظم من التأثيرات المفروضة التّي تُفرّقنا”، في حين يفتتحُ الفصل الأخير بعبارة “إفريقيا للأفارقة”، وهي شعارٌ شهيرٌ أطلقه الملك النوميدي-الجزائري ماسينيسا (238 قبل الميلاد-148 قبل الميلاد)، والذّي عُرف بتوحيده للقبائل الأمازيغية ومناهضته للغزاة الرومان والقرطاجيّين على حدٍّ سواء وتأسيسه للدولة النوميدية، أحد أقدم وأكبر الدول التّي نشأت في شمال إفريقيا ما قبل الميلاد.  

 

iii.            الجزائر ومنطقة الساحل الإفريقي:  

للجزائر حدودٌ شاسعةٌ متاخمةٌ لدول الساحل الإفريقي، كما أنّ صحراءها الحارّة تحتّل أكبر مساحةٍ من صحراء منطقة الساحل، وهو ما يزيد من صعوبة تعامل الدولة الجزائرية مع المخاطر والتهديدات القادمة من الجنوب، ويجعلها حريصةً على صياغة إستراتيجيةٍ فعّالةٍ لحماية أمنها القومي وسلامة أراضيها. منذ إستقلالها سنة 1962، تبنّت الجزائر في سياستها الخارجية مبدأ الرفض القاطع للتدخلاّت الأجنبية العسكرية، وعملت بالتنسيق مع الجيران والمنظمات الدولية والإقليمية على تعزيز سبل بناء السلم والأمن في القارة الإفريقية عمومًا، كما رفعت شعار “أفرقة الحلول”، بمعنى السعي لتبنّي حلولٍ إفريقيةٍ للمشكلات الإفريقية، بعيدًا عن التدخلات الأجنبية في شؤون القارّة.

في شرحه للمقاربة الجزائرية تجاه التهديدات الأمنية القادمة من منطقة الساحل الإفريقي، يُميّز الكاتب بين ثلاث مستويات تحرّكت في إطارها السياسات الجزائرية: المستوى الداخلي، المستوى الخارجي، ثمّ المستوى الذّي تتفاعل فيه المقاربة الجزائرية مع المقاربات الدولية والإقليمية.

 

1. المقاربة الجزائرية لمواجهة التهديدات الأمنية على المستوى الداخلي:

مثلما أوضحنا سابقًا، فإنّ منطقة الساحل الإفريقي تُعتبر مصدرًا لأشكالٍ عديدة من المخاطر والتهديدات التّي قد تطال دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر، أبرزها التهديدات الناجمة عن الحروب الأهلية والتدخلات العسكرية الأجنبية والإنقلابات العسكرية، والمخاطر الناجمة عن إنتشار الحركات الإرهابية وجماعات التطرّف العنيف ومنظمات الجريمة المنظّمة وتهريب السلاح والإتّجار بالبشر والمخدرات. بهدف التصدّي لهذه المخاطر والتهديدات تبنّت الجزائر على المستوى الداخلي مقاربةً بنيويةً شاملةً تُغطي الجوانب السياسية والسوسيو-اقتصادية والأمنية-العسكرية لغرض تعزيز جبهتها الداخلية وإقتلاع جذور التطرّف العنيف وتجفيف منابع الإرهاب والحيولة دون استقطاب جماعات الإرهاب لشبابها، خاصّةً في مناطق الجنوب، وذلك عبر تبنّي سياسة تشغيل تُعزّز فرص العمل لدى الشباب وتقلّص من نسب البطالة، إضافةً إلى توزيع سكناتٍ إجتماعيةٍ لفائدة الشباب والأحياء الهشّة أو ما عُرف لدى نقّادٍ بـ “سياسة شراء السلم الإجتماعي”، حيث استحدثت وكالاتٍ جديدةٍ تُسهّل على الشباب فرص إنشاء مشاريعٍ إقتصاديةٍ مُصغرّة عبر تقديم القروض والتسهيلات الإدارية، فضلاً عن تقديم منح بطالة وإدماج حاملي الشهادات الجامعية في عقود تشغيل مؤقّتة تمهيدًا لتوظيفهم الكامل.

غير أنّ الكاتب يرى بأنّ سياسة “شراء السلم الإجتماعي” لم تكن فعّالة، مُشيرًا إلى إحصائيات تؤكّد إستمرار إرتفاع نسب البطالة بين الشباب، لاسيما في مناطق الجنوب، وظهور حركاتٍ شبابيةٍ إحتجاجيةٍ تُندّد بالإقصاء والتهميش الذّي يتعرّض له الشباب رغم أنّها مناطقٌ مليئةٌ بالشركات الأجنبية التّي تستثمر في قطاعات الطاقة. يُشير الكاتب إلى تركيز النظام الجزائري (خلال فترة الدراسة الممتدّة ما بين 2011 و2018) على التوجيه الضمني للشباب للعمل ضمن مؤسّسسات الدولة، خاصّةً الأسلاك الأمنية كالجيش والدرك والشرطة والجمارك، وذلك من خلال فتح مناصب شغلٍ في السلك الأمني بشكلٍ كبيرٍ مقارنةً بالمناصب المتاحة في القطاعات الأخرى، حتّى أنّ عدد عناصر الشرطة قد ارتفع في الجزائر بحلول سنة 2018 ليصل إلى 200 ألف شرطي، كما احتّل الجيش الجزائري المرتبة الثانية عربيًا والثالثة والعشرون عالميًا من حيث التعداد، وبلغ عدد أفراده 512 ألف جندي حسب موقع “غلوبل فاير باوور”. عمل النظام الجزائري أيضًا على إستخدام الطرق الصوفية المنتشرة في مناطق الجنوب وغيرها والتّي تحظى بتأثيرٍ على سكّان هذه المناطق كأحد أدوات كسب الشرعية وإخماد الإحتجاجات وشراء السلم الإجتماعي وبالتالي تعزيز إستمرارية النظام في الحكم.

عمل النظام السياسي أيضًا على إستحداث تقسيمٍ إداري أوجد بموجبه مقاطعاتٍ إداريةٍ سُميّت بـ “الولايات المنتدبة” في جنوب البلاد، وعمل على زيادة التمثيل السياسي لسكانها، خاصّةً في الوظائف العليا للدولة، حيث تمّ توزيع حقائب وزارية للعديد من الإطارات ذات الأصول الجنوبية، فلم تتعدّ نسبة الوزراء المنحدرين من جنوب البلاد 3% منذ الإستقلال، كان غالبيتهم في العهدة الأخيرة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وكلّها سياسات إستباقية لكسر أيّ شكلٍ من أشكال الإحتجاجات التّي قد تؤدّي إلى بروز مطالبٍ إنفصالية أو تمرّدات، لاسيما وأنّ دول الجوار تعيش منذ سنة 2011 موجهاتٍ إحتجاجيةٍ أو ما سُميّ بـ “ثورات الربيع العربي”.

في الجانب الأمني-العسكري، عملت الجزائر على تأمين الحدود وتعزيز الأجهزة الأمنية بانشاء قواعدٍ عسكريةٍ جديدةٍ متاخمةٍ للحدود الجنوبية، لاسيما على الحدود مع مالي والنيجر، فضلاً عن تعزيز الحدود مع ليبيا، خاصّةً بعد سقوط نظام القذافي، كإنشاء قاعدة “رقّان” العسكرية الجويّة في شهر يوليو 2017 لتسهيل عمليات الاستطلاع الجوي وملاحقة الجماعات المشبوهة ومواجهة التهديدات القادمة من مالي والساحل، وقد شكّل الهجوم الإرهابي (من طرف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب والساحل) الذّي تعرّضت له منشأت الجزائر النفطية الحيوية في “تيقنتورين-عين أميناس” بعمق الصحراء الجزائرية شهر يناير 2013 دافعًا إضافيًا لتعزيز التدابير الأمنية والعسكرية وعصرنة العتاد الحربي وتنمية القدرات البشرية وتأهيل أفراد قواتّها المسلحّة عبر تكثيف برامج الدورات التكوينية والانخراط في أطر تعاون مع جيوشٍ أجنبيةٍ وأحلافٍ كالناتو وغيره. علاوةً على ذلك، رفعت الجزائر ميزانية الجيش لتصل إلى 15 مليار دولار سنويًا، أيْ ما يعادل 45% من الدخل الخام الوطني، ما جعل الجزائر تحتّل المرتبة الأولى إفريقيًا من حيث الانفاق العسكري.

 

2. المقاربة الجزائرية لمواجهة التهديدات الأمنية على المستوى الخارجي:

شساعة الصحراء الجزائرية والحدود السياسية الطويلة الممتدة مع دول الساحل يُحتّم على الجزائر تكثيف مشاوارتها مع هذه الدول والتنسيق معها في مختلف قضايا المنطقة، في مقدّمتها القضايا الأمنية. تتبنّى الجزائر مقاربةً شاملةً أيضًا على المستوى الخارجي، تشمل التعامل مع مجالاتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ وسوسيو-اقتصادية لمواجهة المخاطر والتهديدات القادمة من الساحل، على غرار توظيف آلية المساعدات المالية لدعم جهود التنمية في دول الساحل ومسح ديونها للحدّ من تبعيّتها الاقتصادية للأجانب، حيث أقدمت على مسح ديون 14 دولةً إفريقية، بما فيها دول الساحل، بلغت ما يقارب 3,5 مليار دولار سنة 2017، واستثمرت 200 مليون دولار لتنمية النيجر ومالي، وقدّمت هبةً بقيمة 10 مليون دولار للحكومة المالية سنة 2010.

يتوسّع الكاتب قليلاً في شرح آليةٍ أخرى مهمّة تمثّلت في توظيف التاريخ والتراث الديني، أو ما يُسميه بـ “المقاربة الروحية” خاصّة عبر توظيف الزوايا الصوفية ذات التأثير الواسع على سكان المنطقة أو ما عُرف بـ “الدبلوماسية الدينية”. يرجع ذلك أساسًا لكون الجزائر موطنًا مركزيًا ومرجعيةً دينيةً للعديد من الطرق الصوفية التّي نشأت منذ قرون هناك وانتشرت عبر كافة منطقة شمال إفريقيا والساحل جنوب الصحراء الكبرى عبر جهود علمائها ودعاتها ورجالها المصلحين في نشر اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي، على غرار الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي الذّي أنشأ أول المدارس القرآنية في شمال النيجر عام 1479، والفقيه أبو الأنوار بن عبد الكريم النتلاني الذّي مارس الدعوة في مالي (1755م) والعلاّمة عبر الرحمان الأخضري الذّي ذاع صيته في السودان الغربي وانتشرت كتبه الفقهية هناك والشيخ عبد الرحمان الثعالبي وغيرهم.

تُوظّف الجزائر إرث هؤلاء وجهود معاصرين كآليةٍ وقائيةٍ لإقتلاع جذور التطرّف العنيف وتجفيف منابع الإرهاب ونشر الفكر المعتدل بين سكان المنطقة وشبابها، وقد قامت بإنشاء العديد من المعاهد الإسلامية وتخصيص جامعات في جنوب البلاد لأجل استقطاب الطلبة الأفارقة وتكوينهم، كمعهد تمنرست لتكوين الإطارات الدينية والجامعة الإفريقية بأدرار، وإنشاء رابطة علماء ودعاة وأئمة الساحل سنة 2013 ومقرّها بالجزائر العاصمة، هدفها مواجهة التحديّات الأمنية والثقافية والفكرية التّي تعترض المنطقة، إذْ تكوّن سنويًا 50 إمامًا ينحدر أغلبيّتهم من منطقة الساحل الإفريقي. من الجدير بالذكر أنّ العديد من القادة السياسيّين والعسكريّين في منطقة الساحل يُظهرون الولاء والطاعة لشيوخ المرجعيّات الدينية الصوفية المتواجدين في الجزائر، وهو ما يُمكّن الأخيرة من ممارسة جهودٍ دبلوماسيةٍ ناجعةٍ في حلّ أزمات المنطقة والحفاظ على أمنها وإستقرارها على غرار إنجاح جهود المصالحة بين الفرقاء في مالي والنيجر وغيرهما.  

إضافةً لما سبق، تقود الجزائر جهود “مبادرة الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا” (NEPAD)، التّي تهدف للقضاء على الفقر وتعزيز التنمية المستدامة ووضع حدٍّ لتهميش إفريقيا في النظام العالمي الجديد، وهي بالنسبة للجزائر جهودٌ وقائيةٌ تساهم في القضاء على الإرهاب والتطرّف العنيف والجريمة المنظمّة في منطقة الساحل خصوصًا، وتُسهم في بناء المؤسّسات ودعم الحكم الراشد باعتباره مطلبًا مركزيًا للأمن والسلم والاستقرار. موازاةً مع الإهتمام بالمجالات الإقتصادية والدينية والثقافية، أولت الجزائر أيضًا أهميةً قصوى للجوانب الأمنية-العسكرية، من خلال تعزيز التنسيق الأمني والتعاون العسكري مع دول الساحل، كإنشائها للجنة قيادة الأركان العملياتية المشتركة (مجلس رؤساء أركان دول الساحل) ومقرّها تمنراسنت-جنوب الجزائر، وإنشائها للشرطة الإفريقية (أفريبول) ومقرّها العاصمة الجزائرية، كما حرصت على تجسيد شعار “أفرقة الحلول” من خلال الرفض القاطع للتدخلات العسكرية الأجنبية ومنح الأولوية للحلول السياسية على العسكرية، وأقنعت دول المنطقة بتكريس قوانين تُجرّم التفاوض مع الإرهابيّين أو تقديم فديةٍ لهم مقابل تحرير الرهائن، كون الفدية مصدرًا من مصادر تمويل الإرهاب، إضافةً لكونها تُشجّع على تنفيذ مزيدٍ من عمليات الاختطاف وإبتزاز الدول.

يرى الكاتب بأنّ الأهداف الكامنة وراء هذه الجهود تتعدّى مسألة تعزيز الأمن القومي ومواجهة التهديدات والمخاطر القادمة من منطقة الساحل، فالجزائر تهدف على المدى المتوسّط والبعيد إلى جعل نفسها قوةً إقليميةً مهيمنةً قويّةَ التأثير في جوارها، وقطع الطريق أمام جيرانها للاضطلاع بذلك، وأيضًا جعل البلد حليفًا لا يمكن الاستغناء عنه على المستوى الدولي، خاصّة من قِبل الولايات المتحدة.

 

3. الجزائر والمقاربات الدولية والإقليمية بين التضارب والتكامل:  

يُحاجج الكاتب بأنّ الإستراتيجيات التّي تتبنّاها القوى الدولية تجاه المنطقة تطغى عليها حسابات المصلحة الجيوبولتيكية والجيواقتصادية، فهي “إستعمارٌ جديد”، على حدّ وصفه، فضلاً عن اتصافها بالضبابية والكثرة والتشتّت، وإدراكها السطحي لجذور مشكلات المنطقة بشكلٍ يعيق فعاليتها ويزيد من تعقيد الوضع وانتقال المخاطر والأزمات من دولةٍ لأخرى، لاسيما إذا ارتبط حلّها بتدخلاتٍ عسكريةٍ أجنبية، كما حدث بعد التدخل الفرنسي في دولة مالي وعملية “سيرفال”.

في مقابل ذلك، يُثني الكاتب على الإستراتيجية الجزائرية رغم عيوبها، ويصفها بـ “الشاملة”. ففي سعيها لمواجهة التهديدات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي تأخذ هذه الاستراتيجية بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية-الإنسانية والثقافية-الدينية، فهي تُدرك أنّ اللجوء إلى القوة الصلبة لوحدها سيؤدّي إلى عسكرة المنطقة بدلاً من حلّ أزماتها. كما تقوم إستراتيجيتها على العمل الجماعي مع الشركاء، والعمل باستقلالية بعيدًا عن الوصاية الأجنبية، وتحرص بأن يكون لها دورٌ مركزيٌ في كلّ قضايا المنطقة. فالجزائر، في نظر الكاتب، دولة مُصدّرة للاستقرار عبر كافة المنطقة، بل تُعتبر “القوة الإقليمية الوحيدة التّي بامكانها أن تواجه التحدّيات الأمنية بمنطقة الساحل الإفريقي”، على حدّ تعبيره.

 

في الختام، يُظهر الكاتب مُجدّدًا نزعته المناهضة للكولونيالية، حينما يؤكّد ارتباط جهود الفواعل الأجنبية في التعامل مع قضايا الساحل الإفريقي بحسابات المصلحة القومية المحضة، فعادةً ما تخدمها عسكرة المنطقة وتدويل قضاياها الأمنية والإبقاء على الوضع الراهن دون إيجاد مخرجٍ صريحٍ للأزمات هناك. كما يشير إلى لعب القوى المتنافسة على الاختلافات القائمة بين دول المنطقة بغرض إخضاعها وإبقاء حالة التبعيّة لها، مُبديًا نقده اللاذغ لأغلب الأنظمة السياسية الإفريقية واصفًا إيّاها بـ “الأنظمة الوظيفية والوكيلة لخدمة الإستعمار” على حساب شعوب المنطقة التّي تواطأ عليها الإستعمار والإستبداد ليُبقياها في حالة تخلّفٍ وانسدادٍ طيلة الحقبة التّي تلت جلاء الإستعمار.

 

د. يحيى محمّد لمين مستاك (رحمه الله)، أستاذ العلوم السياسة ورئيس سابق لقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة خميس مليانة-الجزائر، عضو التجمّع الدولي للدراسات الجيوبوليتيكية لمنطقة الساحل وزميل في برنامج قادةٌ من أجل الديمقراطية بمدرسة ماكسويل للمواطنة والشؤون العامّة بجامعة سيراكوسي-الولايات المتحدّة. له العديد من الأعمال البحثية المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية حول مواضيع النظام السياسي والسياسة الخارجية الجزائرية والقضايا الأمنية في منطقتيْ شمال إفريقيا والساحل، كمقاله المنشور بالمجلس الأطلسي “الجزائر: السياسة والإحتجاجات في زمن فيروس كورونا”، والسياسة الخارجية الجزائرية في مواجهة الانتفاضات في منطقة المتوسّط”. عُرف د. مستاك بنشاطه العلمي وحضوره الإعلامي، وكان أول مُنشئٍ لبودكاست يُعنى بالشأن السياسي والدولي في الجزائر، لاقى بودكاست “كاش بوليتيك” نجاحًا لافتًا واستضاف باحثين عالميّين بارزين على غرار ألكسندر دوغين ونعوم تشومسكي ولينا بن عبد الله وآلان دونو وغيرهم.

 

صفحة أعمال الباحث على غوغل سكولر وقناته على اليوتيوب:

https://scholar.google.com/citations?user=gSMrGGcAAAAJ&hl=en

 

https://www.youtube.com/@MestekLamine

 

 

 

جلال خَشِّيبْ، باحث رئيسي بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)-جامعة إسطنبول صباح الدّين زعيم بتركيا. تهتّم أعماله البحثية بمجال الجيوبوليتيك، نظريات العلاقات الدولية، سياسات القوى العظمى، جيوبولتيك أوراسيا وبحر الصين الجنوبي وشمال إفريقيا، السياسة الخارجية التركية والسياسة الخارجية الجزائرية. له العديد من الكتب والدراسات والترجمات والملخصّات الأكاديمية المنشورة بالعربية والإنجليزية بمجلّات مُحكّمة عربية وأجنبية ومراكز أبحاث، منها كتاب: “النظام الدولي الليبرالي: جون ميرشايمر في مواجهة جون آيكينبيري-صعودٌ أم سقوط؟” (2021) وكتاب: “أثر التحوّلات الطارئة في بنية النظام الدولي على التوجّهات الكبرى للسياسة الخارجية التركية” (2017) وكتاب: “آفاق الانتقال الديمقراطي في روسيا” (2015).

 

صفحة الباحث بموقع أصوات نقدية- مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية CIGA:
https://cigacriticalvoices.com/index.php/ar/djalel-ar/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *